في هذه النافذة التي تخصصها فضائية فلسطيننا لمتابعة مستجدات المفاوضات المتعلقة بالتهدئة في قطاع غزة، استضافت الإعلامية زينب أبو ضاهر، عبر الهاتف من القاهرة، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط والمتخصص في الشأن الفلسطيني، الأستاذ صلاح جمعة.
أكد نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط والمتخصص في الشأن الفلسطيني، الأستاذ صلاح جمعة، أن المفاوضات الجارية بشأن التهدئة في قطاع غزة وصلت إلى مرحلة إعداد ورقة إطار للاتفاق، غير أن هناك خلافات حاسمة بين الأطراف. ففي حين يتحدث الجانب الإسرائيلي والأميركي عن إمكانية تأجيل بند الانسحاب إلى ما بعد الاتفاق على بقية القضايا، يصرّ الطرف الفلسطيني، مدعومًا بالموقف المصري، على ضرورة تضمين خرائط الانسحاب في هذا الإطار منذ البداية.
وأوضح جمعة أن مصر والفصائل الفلسطينية طالبت بانسحاب إسرائيلي كامل من محور ميراج والعودة إلى حدود ما قبل 2 مارس الماضي. فوجود إسرائيل في هذا المحور، بحسب جمعة، يهدف إلى إقامة ما يُسمى بالمدينة الإنسانية في جنوب قطاع غزة، لحجز ما يزيد عن نصف مليون فلسطيني ودفعهم لاحقًا إلى التهجير القسري نحو الأراضي المصرية.
وأضاف أن القاهرة تدرك تمامًا أبعاد هذا المخطط، وأعلنت بوضوح أنها لن تسمح بوجود إسرائيلي أو ميليشيات تابعة له في جنوب القطاع، لما يمثله ذلك من خطر على الأمن المصري أولًا، ومن تهديد مباشر بتفجير اقتتال داخلي وتعميق للانقسام الفلسطيني، وهو ما وصفه بحرب أهلية.
وأشار جمعة إلى أن هذه التحركات تُطرح تحت غطاء إنساني أو دعم للشعب الفلسطيني في الجنوب، لكنها في حقيقتها مكشوفة. ولفت إلى أن وزير المخابرات المصرية عقد لقاءات مع مسؤولين قطريين ومع الوفود المفاوضة لتأكيد الثوابت المصرية: وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي كامل، وفتح المجال للمساعدات، وإنجاز صفقة تبادل، ثم إطلاق إعادة الإعمار وفقًا للخطة المصرية الفلسطينية التي تحظى بدعم عربي وإسلامي ودولي.
وفي ما يخص ما تدعيه وسائل الإعلام العبرية من مرونة إسرائيلية حيال الانسحاب، أكد جمعة أن الأسباب متعددة، ولا تقتصر فقط على الضغوط الخارجية. إذ تتمسك مصر بموقف صارم برفض أي وجود عسكري إسرائيلي في جنوب القطاع، وترى في كل الخرائط المقترحة حتى الآن محاولات مرفوضة للالتفاف على هذا المبدأ.
من جهة أخرى، يشير جمعة إلى أن هناك ضغوطًا داخلية متزايدة داخل إسرائيل نفسها. فعدد من الجنرالات والقيادات الأمنية يرون أن عمليات التهجير وحبس الفلسطينيين في مناطق ضيقة جنوب القطاع تمثل جريمة حرب واضحة، وتصنّف كتطهير عرقي داخلي. كما أن الجيش الإسرائيلي يعاني من غياب الأهداف وتكبد خسائر كبيرة خلال الشهر والنصف الأخير، حيث قُتل أكثر من 45 ضابطًا وجنديًا.
وفي ظل النقص الحاد في جنود المشاة، اضطرت القيادة العسكرية الإسرائيلية للاستعانة بقوات النخبة في عمليات شوارع ليست من اختصاصها، ما أدى إلى سقوط عدد كبير منهم وتزايد التذمر داخل المؤسسة العسكرية. هذا الوضع دفع الجيش إلى مطالبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بوقف الحرب، إلى جانب ضغوط متزايدة من عائلات المحتجزين، والمعارضة السياسية، التي باتت أكثر تماسكًا في الدعوة لوقف القتال.
وبحسب جمعة، فإن استطلاعات الرأي الإسرائيلية الأخيرة أظهرت أن 81% من الإسرائيليين يريدون وقف الحرب، رغم محاولة نتنياهو التلاعب بالألفاظ عبر الإشارة إلى "غياب رأي الشارع الفلسطيني حول وجود حماس". وأشار جمعة إلى أن هناك ضغوطًا أميركية مباشرة أيضًا، أبرزها منح ترامب لنتنياهو مهلة أسبوع لوقف الحرب، فضلًا عن ضغوط عربية متواصلة، على رأسها موقف القاهرة الرافض كليًا لأي وجود إسرائيلي على حدودها.
وعلى صعيد الحراك الدولي، لفت جمعة إلى بروز حراك شعبي أوروبي غير المسبوق، حيث خرجت التظاهرات من العواصم الأوروبية وحتى من المصايف السياحية، تعبيرًا عن التضامن مع الشعب الفلسطيني. وعزا هذا التحول إلى الدور الكبير لمنصات التواصل الاجتماعي، وبالأخص تيك توك، الذي لا يخضع لسيطرة الخوارزميات الغربية كما في فيسبوك، ما سمح بنقل الصور الحقيقية للعدوان على غزة إلى الشعوب الأوروبية.
وأكد أن هذه المنصات لعبت دورًا حاسمًا في فضح خرافة الدولة الديمقراطية التي تسوّقها إسرائيل، وساهمت في تحطيم سرديات الهولوكوست ومعاداة السامية التي طالما استُخدمت لتبرير سياساتها. ووصف إسرائيل بأنها "دولة عنصرية إحلالية تمارس التطهير العرقي"، مشيرًا إلى استخدام وسائل القتل والحرق والتدمير لتحقيق ما تسميه إسرائيل الكبرى.
وأشار إلى أن موقف الشعوب الأوروبية دفع حكومات عدة إلى التحرك، ليس فقط بدافع إنساني، بل نتيجة ضغوط انتخابية، حيث بدأ الجيل الجديد من الناخبين المتأثر بالمعلومة الحرة من الإنترنت يفرض أجندته على الساسة.
وسلط جمعة الضوء على دول باتت تقود الحراك الأوروبي مثل إسبانيا، وانضمت إليها إيرلندا والدنمارك، بينما تغيّرت مواقف دول تقليديًا محسوبة على إسرائيل مثل بلجيكا وهولندا. وأكد أن الشارع الأوروبي يشهد تظاهرات عارمة من أجل إنهاء العدوان الإسرائيلي وتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني.
كما أشار إلى أن هذا التحول يرتبط بجيل شاب بات يحتل مواقع القرار، خصوصًا في إسبانيا التي وصف رئيس وزرائها بأنه "خير مثال على صعود هذا الوعي الشعبي الجديد".
وحول المؤتمر الدولي للسلام المرتقب في نيويورك نهاية الشهر، اعتبر جمعة أنه يشكل محطة مهمة جدًا في المسار السياسي. وأوضح أن فرنسا وعددًا من الدول الأوروبية وعدوا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، إلا أن بعضهم لم يحسم موقفه بعد بين خيار الاعتراف الجماعي داخل المؤتمر، أو تأجيله.
وأشار إلى وجود ضغوط أميركية وإسرائيلية لمنع هذا الاعتراف أو ربطه بعملية سلام شاملة، إلا أن المؤتمر، برأيه، يمثل فرصة مهمة لتكريس الاعتراف الثنائي بالدولة الفلسطينية، والسعي نحو عضوية كاملة في الأمم المتحدة.
واختتم جمعة بالقول: "إن المؤتمر سيكون بمثابة منصة دولية كبرى لمهاجمة الانتهاكات الإسرائيلية، وسيشهد مشاركة واسعة من دول العالم، مع حراك دبلوماسي متصاعد للضغط على إسرائيل من أجل وقف عدوانها".
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها