في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي، يشهد قطاع غزة تطورات ميدانية وإنسانية متسارعة تنذر بكارثة غير المسبوقة. ومع تصاعد المجازر واستهداف المدنيين ومراكز الإيواء، تتعالى التحذيرات الدولية من تفاقم الوضع الإنساني، دون أن يقابل ذلك تحرك فعّال يوقف نزيف الدم.

هذا المشهد ناقشته الإعلامية مريم سليمان مع الكاتب والمحلل السياسي أحمد زكارنة.

بدايةً أكد زكارنة أن المؤسسات الإنسانية العاملة في قطاع غزة لا تخدم مصالح الشعب الفلسطيني ولا قضيته، بل تكرّس سياسات الاحتلال وتعمل لصالح مخططاته. واعتبر أن هذه المؤسسات لا تقدّم مساعدات بقدر ما تفرض آلية من السيطرة والتحكم في توجهات الشعب الفلسطيني المجوّع، ما يجعلها أداة ضد القضية الوطنية، تخدم الرواية الإسرائيلية، وتسهم في رسم ملامح ما يُعرف بـاليوم التالي لغزة.

وأوضح أن الهدف الحقيقي من هذا التحكم في توزيع المساعدات هو خلق بيئة خصبة للتهجير الطوعي، الذي لا يحمل من الطوعية سوى الاسم. ولفت إلى أن هذه السياسات تُستخدم كغطاء لمشاريع التطهير العرقي سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، حيث المشهد الكلي يعكس مسارًا واضحًا لتصفية القضية الفلسطينية.

وحول ما تروّج له إسرائيل بشأن “مدينة إنسانية” تُبنى على أنقاض رفح، أوضح أن هذا المقترح يشهد خلافًا داخل المؤسسة الإسرائيلية بين الجيش والحكومة، وهو في جوهره لا يعكس نية حقيقية لتقديم خدمات إنسانية، بل يأتي في إطار خطة أمنية تهدف إلى تجميع الفلسطينيين الذين تُصنّفهم إسرائيل بأنهم غير مسلحين، لتسهيل استهداف ما تبقى من المسلحين في مناطق أخرى.

وشدد على أن هذا الطرح ما هو إلا غطاء إعلامي كاذب، يخفي وراءه نية الاحتلال لخلق ظروف قاهرة تسرّع في تهجير السكان، مشيرًا إلى أن البحث عن الغذاء والماء والحياة الكريمة في ظل التجويع المتعمّد يدفع الناس قسرًا إلى ما يُسمّى بالتهجير الطوعي. واعتبر أن هذا جزء لا يتجزأ من المخطط الإسرائيلي الهادف إلى تغيير الجغرافيا والديموغرافيا، سواء في غزة أو في الضفة، لصالح تصفية القضية.

وبيّن أن تصدير مشهد غزة إعلاميًا ليس فقط لإبراز حجم الدمار، بل يُستخدم أيضًا لصرف الأنظار عمّا يجري في الضفة الغربية، التي تُعد الجائزة الكبرى بالنسبة لإسرائيل، وفق المنظور الديني والسياسي. وذكّر بتصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي أعلن في عام 2017 عن “نظرية الحسم”، ثم عاد ليؤكد أن عام 2025 سيشهد استعادة السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية.

وأوضح أن الاحتلال يسعى إلى تنفيذ مشروعه الاستيطاني من خلال ضرب غزة، وتحويل الضفة إلى كيان استيطاني محض، ما يحقق هدفًا مزدوجًا يتمثل في التخلص من العبء الديموغرافي للفلسطينيين، وإقامة دولة المستوطنين.

يؤكد زكارنة أن توقيت التصعيد في الضفة الغربية يتزامن بدقة مع ما يحدث في قطاع غزة، مستغلًا انشغال العالم بحالة القتل المرتفعة والدماء النازفة في غزة، كغطاء لتمرير مخططات أكثر هدوءًا وخطورة في الضفة.

ويشير إلى أن ما يجري في الضفة ليس وليد اللحظة، بل هو مخطط له بعناية شديدة، ويجري تنفيذه على قدم وساق، وفق خطة واضحة المعالم. ويستدل على ذلك باستهداف مناطق متصلة جغرافيًا واستراتيجيًا، كالمساحة الممتدة ما بين رام الله والأغوار، وتحديدا المناطق مصنفة ضمن ما يُعرف بالتقسيم السياسي “سي”، ما يؤكد أن الاحتلال يدرك تمامًا ما يفعل، وينفّذ مشروعه بشكل مدروس.

ويتزامن هذا الاستهداف مع هجوم كبير على مخيمات الضفة الغربية، يهدف إلى ضرب الذاكرة الوطنية الفلسطينية، والنيل من حق العودة، واستهداف وكالة الأونروا، التي تمثل وجهًا من وجوه الذاكرة الفلسطينية وتحافظ على هوية شعب نُكب منذ عام 1948. ويرى أن ضرب الأونروا ليس فقط مسألة إدارية، بل هو جزء من الهجوم على معالم النكبة الفلسطينية ومكوناتها الرمزية.

ويرى زكارنة أن هذا المخطط، الذي يُنفذ بشكل متسارع في الضفة الغربية، يترافق مع عملية التخلص من الثقل الديموغرافي في قطاع غزة. ففي السابق، كانت التقديرات تشير إلى وجود ما بين 2.3 إلى 3 ملايين فلسطيني في غزة، أما اليوم، وبعد المجازر والتدمير والتهجير، لا يُعتقد أن عدد من تبقى داخل القطاع يتجاوز المليون والنصف.

وهو ما يعني فعليًا، أن الاحتلال تمكّن من تقليص عدد سكان القطاع بنحو نصف مليون إنسان، بين شهيد وجريح ومهجّر، كخطوة عملية ضمن مشروعه الأوسع لتصفية القضية الفلسطينية.

ولفت إلى أن كل هذه التطورات تجري ضمن غطاء أميركي واضح، بل بمشاركة فعلية. وأوضح أن ما حدث من تغيير في تسمية مكتب الشؤون الفلسطينية في السفارة الأميركية في القدس إلى مكتب الجمهور الفلسطيني، ليس مجرد إجراء إداري، بل يعكس انسجامًا أميركيًا مع الرؤية الإسرائيلية التي تسعى إلى تصفية البعد السياسي للوجود الفلسطيني، واعتبار الفلسطينيين مجرد سكان محليين بلا حقوق وطنية.

واعتبر أن الحديث عن غطاء أميركي لم يعد دقيقًا، بل إن هناك شراكة كاملة في تنفيذ المخطط، سواء على المستوى السياسي أو اللوجستي أو الدبلوماسي. وأشار إلى أن ما يحدث اليوم هو تواطؤ دولي واسع، يشمل أيضًا الدول الأوروبية، التي رغم تصريحاتها، لم تتعامل مع إسرائيل كدولة إرهاب منظم ترتكب جرائم ضد الإنسانية، بل لا تزال شريكة فعلية في مشاريع تصفية القضية الفلسطينية.