حركة التاريخ لا تتوقف في صعودها اللوبي، وتحمل تحولات نوعية هامة في إعادة الاعتبار لقضية الشعب الفلسطيني وكفاحه التحرري، حيث شكلت الإبادة الجماعية الإسرائيلية الأميركية والغربية عمومًا بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 حافزًا هامًا في ولادة أول مؤتمر يهودي ضد الصهيونية، للتأكيد على أن "اليهودية ليست صهيونية" الذي عقد ما بين 13 و15 حزيران/يونيو 2025، بعد أن تم التمهيد له في النصف الثاني من نيسان/إبريل الماضي. وقالت الناشطة النمساوية اليهودية داليا ساريغ فيلنر، أحد أبرز المنظمين للمؤتمر، أن المؤتمر يهدف إلى توحيد القوى بمختلف البلدان لزيادة الضغط على الحكومات ودفعها إنهاء تعاونها مع إسرائيل وإنهاء الإبادة، وبينت أن المؤتمر له هدفان أساسيان، أولاً إظهار أن انتقاد الصهيونية ليس معاداة السامية، وثانيًا ضمان إيصال أصوات اليهود المناهضين للصهيونية إلى جميع أنحاء العالم بشأن القضية الفلسطينية. وأضافت: "هذه (الإبادة الجماعية) هي بوضوح الذي يحفزنا، ويظهر لنا مدى إلحاح التحرك، ويجب وضع حدٍ لها فورًا، وأردفت أن "الإبادة الجماعية بغزة هي السبب الرئيسي لتكثيف نشاطنا".
وأشارت فيلنر أن "المبادرة اليهودية ضد الصهيونية " ليست الحركة اليهودية الوحيدة المناهضة للصهيونية في العالم، مشيرةً إلى قيام حركات يهودية أخرى ضد الحركة الصهيونية منذ ظهورها وبعد قيام إسرائيل في 1948". وقالت: إنها وزملائها أعضاء في منصة جامعة تحمل اسم "يهود من أجل العدالة للفلسطينيين" تضم عشرات الآلاف من اليهود والعديد من الجمعيات في أوروبا. وعن سبب انعقاد المؤتمر في فيينا، أشارت داليا إلى إن الاختيار وقع عليها لأنها مسقط رأس ثيودور هرتزل مؤسس الصهيونية ومهد انطلاقها، وقال أحد المنظمين للمؤتمر "هنا تأسست الصهيونية، وفي القاعة المقابلة ماتت فكرتها".

ورغم محاولات السلطات النمساوية الحؤول دون عقد المؤتمر، ورفض أصحاب القاعات بالسماح بعقده فيها، إلا أن إصرار القائمين على المؤتمر مكنهم من عقده في صالة أفراح، ولم يستسلموا لإجراءات وتضييقات السلطات الرسمية التي شددت أسوة بالعديد من الدول الأوروبية الحصار على الأصوات المعارضة للإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر 2023. وقد شارك في المؤتمر نحو 500 من الكفاءات والعلماء والنخب السياسية والأكاديمية والثقافية والفنية البارزة من يهود العالم، ومنهم إيلان بابيه، والممثلة الكوميدية الأميركية كاثي هالبر، والأكاديمي الكندي جاكوب رادكين، وعدد محدود من الشخصيات الفلسطينية، منهم غادة الكرمي، والدكتور رمزي بارود وسليمان أبو ستة. 
وشدد المؤتمر في بيانه الختامي على ضرورة بناء جبهة سياسية عالمية مناهضة للصهيونية، وتحرير الفلسطينيين واليهود من المشروع الصهيوني، وتحدي الرواية الرسمية المعتمدة في دول الغرب الامبريالي، كما دعا إلى تشجيع المترددين من اليهود وغير اليهود، من الذين ترهبهم حملات الإرهاب والإجراءات البوليسية والرقابة الخانقة في دول الغرب، للانخراط في هذا الكفاح الإنساني.

ومما لا شك فيه، أن المؤتمر الأول المناهض للصهيونية يمثل الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل للقوى اليهودية المعادية للصهيونية، والرافضة لاغتصابها الديانة اليهودية، وردًا على انتحالها صفة تمثيل يهود العالم، حيث لاحظنا قبل وبعد الإبادة الجماعية على الشعب الفلسطيني انزياحًا ملحوظًا في أوساط الشباب من أتباع الديانة اليهودية في اميركا وأوروبا الرافضين لإسرائيل وإبادتها الجماعية، ورفضًا للصهيونية باعتبارها حركة رجعية وأداة للغرب الامبريالي لتنفيذ مآربه في الوطن العربي انطلاقًا من قاعدتها المادية إسرائيل النازية، فجاء صوت المؤتمر مدويًا للرد على تلك الادعاءات والأكاذيب، وليشكل رافعة لأصوات المعارضة اليهودية الإسرائيلية الرافضة جرائم الإبادة والمحارق ضد الشعب الفلسطيني، التي خفت صوتها، حتى لم يعد مسموعًا خشية من سوط النازيين الصهاينة وأجهزة الامن الإسرائيلية. 
ومن المواقف اليهودية الهامة، قال ستيفن كابوس، الناجي من الهولوكست، "من عاش جحيم النازية لا يمكن أن يصمت عما تفعله إسرائيل اليوم في غزة". وأكد المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابييه "ما تقوم به إسرائيل ليس مجرد احتلال بل استعمار إحلالي وابرتايد وجرائم تطهير عرقي لا جدال فيها". وفي إطار الحوار داخل المؤتمر، قال أحد الحاخامات المتضامنين مع الشعب الفلسطيني بلغة عربية واضحة: أنتم يا أهل غزة أشجع من بني إسرائيل أيام فرعون. وأكد المؤتمر في بيانه الختامي، أن إسرائيل نظام فصل عنصري استعماري إحلالي يشبه نظام الابرتايد في جنوب افريقيا، ودعا المشاركون لتشكيل ائتلاف يهودي فلسطيني أممي لإسقاط هذا النظام للفصل العنصري وبناء دولة ديمقراطية واحدة لجميع سكانها.

وكان اللافت في الأمر، أن باحات المؤتمر مليئة بأغصان الزيتون، دون وجود أي أعلام لأي دولة، فتساءل أحد الضيوف من أوروبا الشرقية، هل نحن في مؤتمر سياسي أم في معرض زيتون فلسطيني؟ فرد عليه أحد الصحفيين "هذا الزيتون أصدق من كل أعلام الأمم المتحدة".
وأثناء إحدى الاستراحات بادرت سيدة يهودية نمساوية عمرها 91 عامًا، نجت من المحرقة النازية، وصدحت بأغنية "موطني" باللغة العربية، وبعدما أنهت الأغنية قالت، كنت أغنيها أيام النكسة، ولم أكن أعلم أنني سأغنيها ضد تل أبيب يومًا.
بالنتيجة شكل المؤتمر الأول المعادي للصهيونية، صفعة قوية لإسرائيل وللحركة الصهيونية ولدول الغرب الداعمة والمساندة لها، وهاجمها بدءً من الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها من الدول التي شكلت حصانة تاريخية للدولة الإسرائيلية اللقيطة والخارجة على القانون، ومثل بارقة أمل كبيرة في الدعم السياسي والقانوني والأخلاقي لكفاح الشعب الفلسطيني، ودعمًا لحريته واستقلاله وسيادته على ترابه الوطني فلسطين، وشكل نقطة ضوء في نفق المرحلة الأكثر وحشية وظلمًا في تاريخ الصراع الطويل، وفتح الأفق أمام مزيد من التحولات الإيجابية التدريجية في دعم النضال التحرري الوطني الفلسطيني، واختراقًا هامًا في جدار الحركة الصهيونية الرجعية العنصرية.