في ظل التصعيد المستمر في الضفة الغربية، واتساع رقعة الاستيطان والاقتحامات، تتلاشى ملامح أي أفق سياسي حقيقي، فيما يغيب الحديث الجاد عن مشروع حلّ الدولتين، الذي شكّل على مدى سنوات عنوانًا رئيسيًا للمبادرات الدولية.
هذا المشهد ناقشته الإعلامية مريم سليمان مع مدير المركز الدولي للاستشارات، السيد وديع أبو نصار.
أكد المحلل السياسي أبو نصار أن تصاعد الدعوات الإسرائيلية لضم الضفة الغربية في الآونة الأخيرة يعكس عقيدة راسخة لدى اليمين الإسرائيلي، خاصة المتطرف منه، الذي لا يرى في الضفة سوى “يهودا والسامرة”، ويعتبرها جزءًا لا يتجزأ من ما يسميه أرض إسرائيل.
وأوضح أبو نصار أن هذا التيار يعتقد أنه تأخر في فرض السيادة الإسرائيلية على هذه المناطق، ويرى أن الفرصة سانحة حاليًا، في ظل وجود دونالد ترامب على الساحة السياسية من جهة، وضعف الحالة العربية من جهة ثانية، إضافة إلى صمت دولي رهيب على حد تعبيره يفتح المجال أمام اليمين المتشدد لفرض وقائع جديدة على الأرض، تشمل فرض السيادة على الضفة الغربية، أو على الأقل على مناطق "ج".
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لا يُبدي حماسة لأي علاقة حقيقية مع الفلسطينيين، رغم ما قد يُعلنه من تصريحات مغايرة. فمواقفه أقرب إلى رؤية اليمين اليهودي، الذي يعتبر الأرض الممتدة بين نهر الأردن والبحر المتوسط أرض إسرائيل، وبالتالي لا يولي اهتمامًا جديًا لحل الدولتين. وأضاف أن ترامب يتجاهل ويتفادى طرح أي حلول سياسية، مكتفيًا بمقاربات أمنية تخفف العبء عن إسرائيل دون الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.
ولفت أبو نصار إلى أن تصريحات ترامب حينما يتطرق إلى الفلسطينيين غالبًا ما تقتصر على وقف القتل والدمار، دون التطرق إلى الحقوق السياسية أو الوطنية، معتبرًا أن ذلك يعكس توجهًا لتحويل القضية الفلسطينية من مطلب سياسي إلى ملف إنساني.
وفي السياق ذاته، رأى أن الدعم غير المشروط الذي يتلقاه نتنياهو من إدارة ترامب يعزز هذا المسار، مضيفًا أن نتنياهو لا يعترف بوجود قضية فلسطينية، بل يرى الفلسطينيين مجرد عرب يعيشون في أرض إسرائيل، في إطار تصور استعماري يهدف إلى نفي الهوية الوطنية عنهم.
وأضاف: "إن اليمين الإسرائيلي لا يستخدم مصطلح ‘فلسطيني’، لأنه مرتبط جغرافيًا وتاريخيًا بفلسطين. هم يرون في الفلسطينيين مجرد قبائل عربية، إن أرادوا دولة فليبحثوا عنها في مكان آخر، لأن هذه الأرض كما يدّعون هي أرض إسرائيل".
وحذّر من أن هذه النظرة تتغلغل أيضًا إلى أوساط اليمين الأميركي، لا سيما المحيطين بترامب، في سياق تصور يرى إمكانية إقامة علاقات مع الدول العربية المحيطة دون الاعتراف بفلسطين ككيان سياسي أو وطني.
وفي انتقاد واضح للتخاذل الدولي، قال أبو نصار: “المشكلة ليست فقط في إسرائيل والولايات المتحدة، بل في غياب موقف عربي وإسلامي وأوروبي حازم. لا توجد ضغوط ممنهجة لردع هذا المشروع”. وأشار إلى أن بعض الدول الأوروبية تُبدي مواقف رافضة، لكن دون إجراءات عملية، فيما تواصل دول أخرى التعاون العسكري والتطبيع مع إسرائيل".
كما استغرب من عدم اتخاذ أي خطوات احتجاجية، مثل استدعاء السفراء من تل أبيب، قائلًا: "باستثناء الأردن ومصر، لم تقم معظم الدول الإسلامية بهذه الخطوة الرمزية، ما يُعتبر ضوءًا أخضر لإسرائيل للاستمرار".
وأكد أن إسرائيل والولايات المتحدة لا تخشيان أي تبعات حقيقية على مواقفهما، لافتًا إلى أن أي خسائر محتملة تُعد من وجهة نظرهما أقل بكثير من الأرباح السياسية التي يحققانها من إضعاف القضية الفلسطينية.
ورغم هذا الواقع، شدد أبو نصار على أن محاولات طمس القضية الفلسطينية لن تنجح، موضحًا: "الشعب الفلسطيني متشبث بأرضه رغم كل محاولات التهجير والقتل. في عام 1948 بقي 165 ألف فلسطيني في الداخل رغم المجازر، وهؤلاء اليوم أصبحوا أكثر من مليونَي نسمة. لا يمكن محو قضية شعب بهذا الشكل".
وفي ختام حديثه، أكد أن السياسة الإسرائيلية الحالية تقوم على محو الهوية الوطنية الفلسطينية من خلال خطين متوازيين: الأول هو التصفية الجسدية والتدمير، خصوصًا لمن يُتهمون بالمقاومة، والثاني هو التهجير والتضييق واليأس.
وقال: "السياسة الإسرائيلية لا تستهدف غزة فقط، بل الضفة والداخل الفلسطيني ومخيمات اللجوء. ما يحدث من تهجير في شمال الضفة، في جنين ونور شمس وطولكرم، وما يجري من إهمال متعمّد للعنف داخل الخط الأخضر، كلها شواهد على سياسة ممنهجة تهدف إلى إسقاط القضية من مستوى سياسي إلى معيشي".
وختم بالتأكيد على أن هذا النهج لا يقود إلا إلى إطالة أمد الحرب، بدلًا من البحث عن فرص حقيقية لتحقيق السلام العادل والدائم.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها