في الضفة الغربية، يتحوّل كل يوم إلى معركة بقاء في وجه الاحتلال والمستوطنين، اقتحامات ليلية، واعتقالات جماعية، وتوسّع استيطاني يلتهم الأرض، وطرقات تتحوّل إلى نقاط مواجهة دائمة.

المدن محاصَرة، والقرى مهدَّدة، والمخيّمات تضيّق عليها سبل الحياة،فيما يُستخدم المستوطنون كأداة عنف موازية للجيش، في محاولة لترهيب شعبنا ودفعه إلى الرحيل.

هذا المشهد ناقشته الإعلامية مريم سليمان مع عضو اللجنة المركزية لجبهة التحرير العربية والمتحدث باسمها، المهندس محمود الصيفي.

بدايةً، أكّد الصيفي أن الاستيطان في الضفة الغربية، وخاصة في مدينة القدس، يشهد تصاعدًا خطيرًا، وسط جهود ممنهجة لتهويد المدينة بدعم مباشر من بلدية الاحتلال. وأشار إلى أن بلدية الاحتلال تصدر قرارات هدم متواصلة، إلى جانب أوامر استيلاء تستهدف منازل فلسطينية وأحياءً بأكملها، في إطار سياسة تهويد واضحة.

كما حذّر الصيفي من خطورة ما يجري في منطقة وادي الحمص التابعة لقرية صور باهر جنوب القدس، مذكّرًا بما حدث في عام 2019، حين هدمت قوات الاحتلال 70 وحدة سكنية كانت تؤوي أكثر من 350 مواطنًا فلسطينيًا. ولفت إلى أن بلدية الاحتلال تعتمد في تحركاتها على تقارير مقدّمة من جمعيات استيطانية متطرفة، وعلى رأسها جمعية "ريغافيم"، التي وصفها بـالمحرّضة، والناشطة في مناطق “ج”، حيث تسعى إلى تشويه صورة الوجود الفلسطيني من خلال تقارير زائفة.

وأوضح الصيفي أن هذه الجمعية تعمل على تبرير عمليات الهدم والاستيلاء بادعاءات كاذبة، مثل أن البناء الفلسطيني يشكّل تهديدًا لأمن المستوطنين أو أمن القدس. وأضاف أن آخر تقارير "ريغافيم" اتهمت سكان وادي الحمص باستغلال فترات العطل للبناء، وهو ما اعتبره تحريضًا مباشرًا ضد أصحاب الأرض.

وشدّد على أن السياسات الاستيطانية، سواء من خلال إنشاء البؤر الجديدة أو إصدار قرارات الهدم والمنع، تمثّل خطوات متسارعة نحو ضم فعلي للأراضي الفلسطينية، دون إعلان رسمي، في ظل حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة تصعّد من وتيرة التهجير والتوسّع الاستيطاني في الضفة الغربية.

وتابع الصيفي أن ما يجري في الضفة الغربية، وتحديدًا في مناطق السفوح الشرقية والأغوار الفلسطينية، يُمثّل شكلًا واضحًا من الضمّ الفعلي، يُنفّذ دون إعلان رسمي أو تغطية إعلامية. وأوضح أن هذه المناطق، بما فيها شرق نابلس وطوباس والقدس وبيت لحم والخليل، تتعرض لاستهداف يومي عبر التوسّع الاستيطاني، والهدم، والإخطارات المتكرّرة.

وأشار الصيفي إلى أن الاحتلال يستخدم ذرائع متعددة للاستيلاء على الأراضي، من بينها الاستيلاء لأغراض عسكرية، واعتبار بعض المناطق أراضي دولة أو بناء غير مرخّص، أو تصنيفها كمناطق عسكرية مغلقة. وأوضح أن الهدف الحقيقي من هذه السياسات هو الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وتهجير سكانها.

وأضاف أن مناطق (ج)، التي تُشكّل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، تُمنع فيها عمليات البناء الفلسطيني منذ عام 1967. وأكّد أن الفلسطينيين نادرًا ما يحصلون على تراخيص للبناء، وحتى المنازل التي شُيّدت قبل عام 1967 لا تسلم من أوامر الهدم، بحجّة وقوعها ضمن مناطق مصنّفة (ج).

وبيّن الصيفي أن أكثر من 70% من أراضي الضفة الغربية لم تُطوّب رسميًا، ما يصعّب على الفلسطينيين إثبات ملكيتهم لها، خصوصًا في ظل المهَل القصيرة التي يمنحها الاحتلال، والتي لا تتجاوز أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع قبل إصدار أوامر الهدم.

وفيما يتعلق بالوضع السياسي العام، أكّد الصيفي وجود تزامن واضح بين تكثيف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وتسارع مشاريع الضم في الضفة الغربية. وأشار إلى أن جيش الاحتلال يعمل على جبهتين متوازيتين: حرب إبادة في غزة، ومصادرة الأراضي وتهويد الأحياء الفلسطينية في القدس والضفة الغربية.

واعتبر الصيفي أن هذه السياسات تهدف إلى تقويض أي مشروع وطني فلسطيني موحَّد، وقطع الطريق على أي مبادرة دولية أو إقليمية قد تؤدي إلى تسوية سياسية، بما في ذلك الجهود الرامية إلى عقد مؤتمر دولي لحل الدولتين.

وشدّد الصيفي على أن هذه المخططات تتم بدعم واضح من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، مؤكدًا أن الضوء الأخضر الذي تمنحه واشنطن للاحتلال لا يقتصر على إدارة بايدن أو ترامب، بل هو امتداد لسياسات أمريكية سابقة دعمت الاحتلال بشكل مباشر أو غير مباشر.

وفي سياق متصل، أكّد الصيفي أن الحكومة الإسرائيلية الحالية حصلت على دعم مباشر للسيطرة على الضفة الغربية، مستندة إلى تصريحات واضحة من قادة الاحتلال وداعمين دوليين، مثل تصريح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي قال إن “الكيان الصهيوني بلد صغير ويجب أن يتوسّع”، وتصريح نتنياهو بأن “إسرائيل ستغيّر الشرق الأوسط”، وهو تغيير يجري على حساب الحقوق الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وأراضي 1948.

وأشار الصيفي إلى أن ما يجري على الأرض هو تنفيذ لخطط ممنهجة تهدف إلى فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، مستشهدًا بعمليات الاقتحام اليومية التي ينفّذها جيش الاحتلال، والتي شملت أكثر من 500 تجمّع سكاني فلسطيني خلال شهر واحد فقط، في محاولة لفرض واقع استعماري جديد، والترويج لمصطلحات مثل يهودا والسامرة لتبرير السيطرة.

وأضاف أن العديد من المؤرخين اليهود أنفسهم أقرّوا بعدم وجود أي حق تاريخي لليهود في هذه الأراضي، مما يجعل الرواية الإسرائيلية فاقدة لأي أساس تاريخي أو أخلاقي. وبيّن أن الاحتلال يستخدم ذرائع تلمودية ودينية لشرعنة الهدم والاستيطان، في ظل وعي فلسطيني متزايد بأن ما يجري ليس إلا استعمارًا ممنهجًا.

وفي الختام، أكّد الصيفي أن هذا المخطط لا يستهدف الضفة الغربية فقط، بل يمتد إلى قطاع غزة، حيث يُمارَس التدمير المنهجي، والقتل المتعمَّد للأطفال والنساء، وكذلك إلى شمال الضفة، حيث تتعرّض المخيمات الفلسطينية للتجريف والتدمير، في محاولة واضحة لإنهاء حلم العودة الفلسطيني.