في ظل حراك سياسي إقليمي متسارع وزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن واجتماعه المتوقع اليوم مع الرئيس الأميركي ترمب، تأتي زيارة المنسق الأميركي وعدد من المسؤولين الأميركيين، برفقة وزير الداخلية الفلسطيني زياد هب الريح، ومحافظ طولكرم اللواء عبد الله كميل، إلى مخيم نور شمس يوم غد الثلاثاء، كجزء من جهود أميركية متجددة لإعادة الإمساك بخيوط المشهد الفلسطيني وضبطه ضمن ترتيبات إقليمية أوسع.
الزيارة، وإن حملت طابعًا "خدماتيًا وإنسانيًا"، وربما هدفت لتمكين السلطة من بسط سيطرتها الأمنية وانسحاب القوات الإسرائيلية مع السماح بإعادة بناء وترميم البنية التحتية إلا أن توقيتها وسياقها السياسي والأمني يكشفان عن أهداف خفية تتجاوز حدود المخيم، لتطال مستقبل السلطة الفلسطينية وموقعها في أي سيناريوهات أميركية لإعادة صياغة المنطقة.

- أولاً: المخيمات الفلسطينية تحت الاستهداف

منذ سنوات، تشهد المخيمات الفلسطينية استهدافًا منهجيًا من قبل الاحتلال الإسرائيلي، عبر الاقتحامات المتكررة وسياسة التدمير المنهجي للبنية التحتية وهدم المنازل، ما أدى إلى إضعاف مقومات الصمود المجتمعي داخلها.

بعكس ما يروج إعلاميًا، لم تعد المخيمات معاقل حقيقية للمقاومة المسلحة، بل باتت بيئة هشة تعاني من الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، ما يجعلها ساحة مفتوحة أمام مشاريع "الترويض السياسي" ومحاولات إعادة إنتاج معادلة أمنية جديدة.

زيارة المنسق الأميركي تأتي في هذا الإطار، كجزء من محاولة لاحتواء الغضب الشعبي ومنع انفجار الأوضاع، وربما ضمن خطة للانسحاب الاسرائيلي من المخيمات وتمكين السلطة من بسط سيطرتها الأمنية.

- ثانياً: أهداف الزيارة بين دعم السلطة والدفع السياسي

1. منع انهيار السلطة الفلسطينية: واشنطن تدرك أن استمرار التآكل في مؤسسات السلطة الفلسطينية سيقود إلى فراغ سياسي وأمني في الضفة الغربية، وهو ما تحاول تفاديه عبر تقديم دعم محدود للسلطة، مع ربط هذا الدعم بضرورة استعادة حضورها لميداني والامني

2. تعزيز موقع السلطة في الميدان: وهذا يتطلب الضغط على حكومة نتنياهو للإفراج عن أموال المقاصة ورفع الحصار عن المدن والبلدات الفلسطينية والشروع بخطة تنمية اقتصادية ونخشى من أن تتجه الجهود الأميركية نحو إعادة تفعيل حضور السلطة الفلسطينية في مناطق التوتر، ضمن رؤية تهدف إلى منع نشوء فراغ أمني أو فصائلي يمكن أن يعقد المشهد أكثر وهذا يعيدنا للمربع الأول إطلاق يد اسرائيل ضمن محاولة فرض سيطرتها على مناطق سي ومحاولات فرض أمر واقع لضم بعض المناطق وهذا ينقلنا إلى.

3. إعادة طرح مسار سياسي جديد: في ظل غياب أي أفق لحل سياسي حقيقي، يبدو أن الإدارة الأميركية تسعى إلى صياغة "ترتيبات مؤقتة" على الأرض، بهدف منع الانهيار الكامل، وخلق بيئة مواتية لاستيعاب التغيرات الإقليمية التي قد تنجم عن التفاهمات الأميركية الإسرائيلية.

4. ارتباط بالزيارة الأميركية الإسرائيلية: لا يمكن فصل زيارة المخيم عن زيارة نتنياهو لواشنطن، إذ قد تكون هذه التحركات الميدانية مقدمة لنقاشات أوسع حول إعادة تشكيل الوضع الفلسطيني كجزء من رؤية أميركية شاملة لترتيب المنطقة بعد الحرب على غزة والتوتر مع إيران.

- ثالثاً: بين الاحتواء وإعادة تشكيل المنطقة

زيارة مخيم نور شمس تمثل جزءًا من محاولة أميركية لإعادة ترتيب الساحة الفلسطينية، من خلال:

- تخفيف الاحتقان الشعبي عبر تدخلات إنسانية محدودة، دون تقديم حلول سياسية جذرية.

- تعزيز دور السلطة الفلسطينية كمظلة أمنية ومدنية، بما يضمن هدوءًا ميدانيًا يتيح للإدارة الأميركية التركيز على الملفات الإقليمية الكبرى.

- استثمار الواقع الفلسطيني الهش لإقناع الأطراف العربية والفلسطينية بقبول ترتيبات إقليمية جديدة، قد تشمل صياغة "مسار سياسي" محدود الصلاحيات والآفاق.

ووفق ذلك الزيارة تضع الفلسطينيين مجددًا أمام مفترق طرق سياسي وأخلاقي. فإما القبول باستمرار الدور الوظيفي للسلطة كأداة "لضبط الأمن"، ضمن ترتيبات إقليمية لا تلبي الحقوق الوطنية، أو الضغط من أجل إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني على أسس تلبي طموحات الشعب الفلسطيني، تستند إلى وحدة وطنية ومشروع تحرري حقيقي.

إذا أرادت السلطة الفلسطينية الحفاظ على الثوابت الوطنية، فلا بد أن تترجم أي دعم خارجي، بما فيه الدعم الأميركي، إلى أجندة وطنية تقود لتفعيل مسار سياسي على مرجعية قرارات الشرعية الدولية لتحقيق حق تقرير المصير وإنهاء الاحتلال ورفض الاستيطان ورفض معادلة "الإدارة مقابل الأمن".
أما على المستوى الإقليمي، فإن أي حديث أميركي عن إعادة تشكيل المنطقة دون إنهاء الاحتلال ورفع الحصار عن غزة والضفة الغربية والقدس ووقف العدوان على الشعب الفلسطيني، يبقى محاولة لتدوير الأزمة، لا حلها.