في لحظة تاريخية فارقة يمر بها المشروع الوطني الفلسطيني، تتكشف على السطح مخططات مشبوهة تستهدف النسيج الجغرافي والاجتماعي الفلسطيني، وعلى رأسها ما بات يُعرف بـ"إمارة الخليل" وظاهرة المليشيات المسلحة المرتبطة بالاحتلال مثل ميليشيا "أبو شباب". هذه التحركات ليست معزولة عن سياق تاريخي ممتد منذ خمسينيات القرن الماضي، ولا عن بيئة إقليمية تحولت، بفعل اتفاقيات إبراهام، إلى منصة لدعم مشاريع تفتيتية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية عبر أدوات جديدة.

- من هم "المجلسيين والمعارضين" إلى العشائر والمليشيات

في خمسينيات القرن الماضي، حاول الاحتلال الإسرائيلي والقوى الاستعمارية آنذاك إنتاج انقسام فلسطيني داخلي بين ما عُرف بـ"المجلسيين" – أي النخب المحلية التي قبلت بفكرة التعاون مع إسرائيل وإدارة شؤون الفلسطينيين تحت مظلة الاحتلال– وبين "المعارضين" الذين تمسكوا بخيار التحرير ورفضوا أي حلول جزئية.

هذه المحاولة سقطت سياسيًا مع تصاعد المد القومي العربي آنذاك، لكنها مهدت الطريق لاحقًا لتجارب أخرى كـ"روابط القرى" في سبعينيات القرن الماضي، التي حاولت إعادة إنتاج النموذج على أسس عشائرية، وانتهت أيضًا إلى الفشل بفعل الوعي الشعبي الفلسطيني.

اليوم، يبدو أننا أمام نسخة جديدة من هذا السيناريو عبر محاولات تفتيت الضفة الغربية إلى كيانات عشائرية مسلحة ومربعات جغرافية منفصلة، تُدار محليًا وتتلقى دعمًا إقليميًا غير مباشر تحت شعار "تحسين الأوضاع المعيشية".

اتفاقيات إبراهام كمنصة لدعم المشاريع التفتيتية

لا يمكن فهم مشروع "إمارة الخليل" أو ظاهرة المليشيات المسلحة بمعزل عن السياق الإقليمي الذي أفرزته اتفاقيات إبراهام. هذه الاتفاقيات، التي سوقت نفسها كمدخل للسلام الإقليمي، تحولت عمليًا إلى أداة لدعم مشاريع اقتصادية وأمنية تُمكن إسرائيل من:

- فرض وقائع جديدة على الأرض دون أي التزامات سياسية تجاه الفلسطينيين.

- تطويع الأطراف العربية لتصبح وسيطًا اقتصاديًا بين إسرائيل والفلسطينيين، بدلاً من كونها داعمًا سياسيًا لنضالهم.

- تمويل مشاريع "السلام الاقتصادي" التي تسعى لتفريغ القضية الفلسطينية من محتواها الوطني، وإبقاء الفلسطينيين أسرى تحسينات معيشية هشة تحت الاحتلال.

بهذا المعنى، فإن "إمارة الخليل" ليست سوى إحدى ثمار هذا المسار، الذي يسعى لتحويل الفلسطينيين إلى سكان بلا قضية، وإعادة تعريف الصراع على أنه "نزاع محلي" يمكن إدارته عبر حلول جزئية.

- حرب 1967 وبروز حركة "فتح": عندما استعاد الفلسطينيون قضيتهم

لقد شهدت القضية الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي حالة مشابهة من محاولات التصفية. ففي أعقاب نكبة 1948، جرى الترويج لمشاريع "الحكم الذاتي" تحت الهيمنة الإسرائيلية، بالتوازي مع محاولات إقليمية لإبقاء الفلسطينيين تحت وصاية عربية.

لكن حرب 1967 شكّلت منعطفًا تاريخيًا؛ إذ أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الصراع العربي الإسرائيلي، وجاءت انطلاقة حركة فتح، ثم بروز منظمة التحرير الفلسطينية ككيان جامع، لتكرس الهوية الوطنية الفلسطينية وتعيد الاعتبار للمشروع التحرري، بعد أن كان مهددًا بالذوبان.
اليوم، يبدو أن الاحتلال يسعى لإعادة الفلسطينيين إلى ما قبل مرحلة 1967، من خلال مشاريع "إمارات محلية" ومليشيات مسلحة تُدار أمنيًا واقتصاديًا من تل أبيب وعواصم إقليمية متواطئة بالصمت أو الدعم غير المباشر.

- ما المطلوب فلسطينياً؟

إن مواجهة هذا المخطط الخطير يتطلب:

١- إعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتطويرها لتصبح قادرة على قيادة مشروع وطني تحرري جامع.

٢- اعتماد برنامج سياسي مقاوم يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، وليس كملف اقتصادي أو أمني يُدار عبر وسيط إقليمي أو دولي.

٣- استنهاض كافة القوى الفلسطينية بكافة مسمياتها والعشائرية للتصدي لمحاولات تفتيت الجغرافيا الفلسطينية وإفشال مخطط العشائر والمليشيات المسلحة.

٤- إطلاق تحرك سياسي ودبلوماسي عاجل لإعادة القضية الفلسطينية إلى مربع الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة على حدود 1967.

٥- تحصين المجتمع الفلسطيني ضد الاختراق الإسرائيلي عبر تعزيز ثقافة الصمود الوطني ورفض أي حلول جزئية أو مشاريع اقتصادية مشبوهة.
فلسطين أكبر من المشاريع الجزئية

كما أفشل الشعب الفلسطيني محاولات التصفية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وأسقط روابط القرى في سبعينياته، فهو اليوم قادر على إسقاط مخطط "إمارة الخليل" وظاهرة المليشيات المسلحة المرتبطة بالاحتلال، بشرط أن يتم استنهاض الوعي الوطني الجمعي، وإعادة الاعتبار للمشروع التحرري الجامع الذي التف حوله الفلسطينيون بعد نكسة 1967.

إن المخطط الإسرائيلي الإقليمي الرامي إلى تفتيت الهوية الوطنية وتقسيم الضفة الغربية إلى كانتونات عشائرية ومليشياوية، ليس سوى محاولة جديدة لإنتاج صيغ حكم ذاتي بلا سيادة، تُبقي الفلسطينيين أسرى الأزمات الاقتصادية والمعيشية. ومقاربة "الاقتصاد مقابل السلام" التي يتم إحياؤها اليوم، سواء من خلال دعم أطراف عربية لمشاريع إسرائيلية مشبوهة أو عبر ضخ أموال تحت شعار "التنمية"، لا يمكنها أن تكون بديلاً عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة ذات سيادة.

- وهنا يتطلب الأمر إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير وبرنامج التحرر الوطني

إن التصدي لهذا المخطط يتطلب أولاً إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية، وتفعيل مؤسساتها كإطار وطني جامع يستوعب كافة القوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية. فالمنظمة التي كانت عنوانًا للوحدة الوطنية والتمثيل الشرعي، هي الأداة الوحيدة القادرة على مواجهة مشاريع التجزئة والاستيعاب الإسرائيلي.
كما أن اعتماد برنامج تحرري وطني جديد يوازن بين متطلبات الصمود اليومي للفلسطينيين، وبين متطلبات النضال السياسي والميداني، أصبح أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، في ظل انهيار الأفق السياسي وتنامي مشاريع التصفية.

- درس التاريخ: ما لم يتحقق بالسلاح لن يتحقق بالمؤامرات

لقد أثبت التاريخ أن كل المحاولات الإسرائيلية لتفتيت الشعب الفلسطيني وفرض قيادات بديلة عبر القهر أو الإغراء الاقتصادي قد فشلت:
فشل المجلسيون في الخمسينيات لأنهم فقدوا الشرعية الشعبية.
سقطت روابط القرى في السبعينيات بفعل المقاومة الشعبية والوعي الوطني.
وانهارت خطة "السلام الاقتصادي" في التسعينات لأنها تجاهلت الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني.
اليوم، يتكرر السيناريو ذاته، لكن بأدوات أكثر تعقيدًا. والرهان الإسرائيلي على الانقسامات الداخلية والعشائرية لن يكتب له النجاح طالما أن هناك شعبًا فلسطينيًا يرفض التنازل عن ثوابته الوطنية
الطريق إلى مواجهة المشاريع التفتيتية

- اللحظة الراهنة تتطلب:

- حشد القوى الوطنية والمجتمعية لرفض أي مشاريع بديلة عن الدولة الفلسطينية المستقلة.

- منع عسكرة المجتمع الفلسطيني خارج إطار مشروع التحرر الوطني، واعتبار أي مليشيات مسلحة خارج القرار الوطني المستقل أداة اختراق بيد الاحتلال.

- تفعيل استراتيجية مقاومة شعبية شاملة تربك الاحتلال وتقطع الطريق على محاولاته تحويل القضية الفلسطينية إلى ملف خدماتي بلا مضمون سياسي.

- الرسالة الأخيرة

لن يُكتب لمشروع "إمارة الخليل" أو غيره من المشاريع الجزئية النجاح، طالما أن الفلسطينيين يدركون أن قضيتهم أكبر من تحسينات معيشية أو مشاريع اقتصادية مسقوفة بالاحتلال. فلسطين ليست أرضًا قابلة للتجزئة، ولا قضية قابلة للبيع والشراء، بل هي قضية تحرر وطني لشعب موحد مهما حاول الاحتلال تقسيمه إلى عشائر ومليشيات.
إن التصدي لهذه المخططات لا يقتصر على النخب السياسية، بل هو واجب وطني على كل فلسطيني، لأن المعركة اليوم لم تعد معركة حدود فقط، بل معركة هوية ووجود.