تعيش غزة اليوم على حافة الانهيار الكامل، في ظل مفاوضات شاقة تجري في الدوحة برعاية إقليمية ودولية، بينما يشتد القصف وتزداد الكارثة الإنسانية عمقًا.
إنها لحظة مفصلية تتعلق بوقف إطلاق النار، لكنها تتجاوز الجانب العسكري إلى مسألة الوجود الإنساني ذاته، إذ لم يعد الحديث عن تهدئة مسألة تفاوض بل مسألة نجاة.
تدور المباحثات بين الأطراف المعنية– بوساطة قطرية ومصرية، وإشراف أميركي مباشر– حول مقترح لهدنة مؤقتة تمتد لستين يومًا، تشمل إطلاق عشرة رهائن وتسليم ثمانية عشر جثة، وإطلاق سراح أسرى فلسطينيين بمعدل خمسين أسير مقابل كل رهينة يطلق سراحها، وانسحابًا جزئيًا للقوات الإسرائيلية، وتدفقًا أوسع للمساعدات. لكن الفجوات الجوهرية في المواقف لا تزال تهدد بانهيار هذه الجولة، خاصة مع رفض إسرائيل تعديل جوهر الاتفاق بما يستجيب لمطالب المقاومة، وفي مقدمتها ضمانات بعدم استئناف العدوان، وانسحاب فعلي من عمق القطاع.
في المقابل، يبدو ما يُسمى بمحور المقاومة غائبًا أو مغيّبًا عن مشهد الضغط الحقيقي، بعد أن تم تحييد أهم أركانه إقليميًا، بفعل الضربات المركّزة أو الحسابات السياسية الخاصة.
لم يعد هذا المحور قادرًا أو راغبًا في إحداث تغيير نوعي يوقف المقتلة أو يفرض معادلة ردع.
غزة اليوم وحيدة، ومكشوفة سياسيًا وإنسانيًا، ولا تملك إلا خيار الصمود بأقل الإمكانات.
الاحتمال الأخطر الآن هو فشل المفاوضات، وهو احتمال قائم وواقعي.
وإذا ما تحقق، فإنه سيعني ببساطة استمرار المذبحة، وتواصل الحصار، والدفع بمليونَي إنسان إلى مستنقع المجاعة والوباء واليأس. لن يكون الأمر مجرد نكسة سياسية، بل انهيارًا تامًا لما تبقى من بنية الحياة في القطاع، ووصمة عار جديدة في جبين النظام الدولي، العاجز عن وقف الحرب أو فرض الحد الأدنى من القانون الإنساني.
إن وقف إطلاق النار لا يجب أن يكون مجرد استراحة مقنّعة للعدوان، بل بداية مسار جاد لرفع الحصار، وإعادة الإعمار، وضمان كرامة الإنسان الفلسطيني في غزة.
لكن ذلك كله مرهون الآن بنجاح المفاوضات الراهنة، وهو ما يتطلب إرادة دولية جادة، وضغطًا حقيقيًا على الاحتلال لوقف حمّام الدم.
إن غزة لا تختبر فقط قدرتها على البقاء، بل تختبر ضمير العالم، وصدقية المنظومة الدولية، وجدوى الوساطات. فإما أن تنجح هذه الجولة، أو يتهاوى ما تبقى من إنسانية في هذا العالم الصامت على جريمة مستمرة منذ واحد وعشرين شهرًا.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها