مشروع ما يسمى بـ"إمارة الخليل" هو مخطط إسرائيلي جديد تم الإعداد له في أروقة مراكز الأبحاث والسياسة في إسرائيل. يرى الإسرائيليون أن مشاريع التسوية مع الفلسطينيين التي عملوا عليها حتى وقت قريب قد باءت بالفشل. صاحب هذه الفكرة هو البروفيسور الإسرائيلي اليميني المتطرف مردخاي كيدار، المقرب من التيار الصهيوني الديني وأحزاب اليمين، والذي يرى أن مشروع إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة قد انتهى، ويقترح بديلاً يتمثل في تفكيك الشعب الفلسطيني إلى كيانات عشائرية تُمنح حكمًا ذاتيًا.

بحسب هذا الطرح، فإن الفلسطينيين ليسوا شعبًا قوميًا، ولا يستحقون دولة، بل هم– وفق تصوره– مجرد تجمعات عشائرية، ولذلك فإن تقسيمهم إلى "إمارات" عشائرية هو الحل الأمثل.

هذا السيناريو الإسرائيلي الجديد كُشف عنه عشية زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة ولقائه بالرئيس ترامب، حيث نشرت صحيفة وول ستريت جورنال تفاصيل لقاء جمع خمس شخصيات عشائرية من الخليل مع الوزير الليكودي نير بركات، أعلنوا فيه دعمهم لما يُسمى "الاعتراف بيهودية الدولة"، وتمردهم على السلطة الفلسطينية، وتأييدهم لفكرة إقامة "إمارة الخليل" ضمن مخطط تقسيم الضفة الغربية إلى ثمانية أقاليم تحكمها العشائر الكبرى تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.

يأتي هذا المشروع في إطار السعي الإسرائيلي لتقويض منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية. لكن الشارع الفلسطيني سرعان ما عبّر عن موقفه الرافض لهذا المخطط، حيث أصدرت العائلات الفلسطينية في الخليل وسائر المحافظات بيانات تؤكد تمسكها بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني، معبرة عن الاستهجان والاستنكار لهذا المشروع الذي وصفته بمحاولة لضرب مشروع الدولة الفلسطينية، وطمس الهوية السياسية الوطنية.

منذ احتلال الضفة الغربية، سعت إسرائيل إلى خلق أجسام بديلة لتمثيل الشعب الفلسطيني من الداخل، لكنها فشلت في تشكيل بدائل حقيقية يمكن التفاهم معها سياسيًا على حلول تُبقي على السيطرة الإسرائيلية، عبر ما يسمى "الإدارة المدنية".

مشروع "إمارة الخليل" ليس سوى نسخة جديدة من مشروع "روابط القرى" الذي عملت إسرائيل على إنشائه في أواخر السبعينيات، بهدف تقويض "لجنة التوجيه الوطني" التي ضمّت شخصيات مؤيدة لمنظمة التحرير، وفازت في انتخابات المجالس البلدية عام 1976. وقد فشل مشروع الروابط بعد أن وقف الشعب الفلسطيني ضده، ورفضه كليًا.

المبادرات الإسرائيلية، حتى في أقصاها، لم تُلبّ الحد الأدنى من مطالب الشعب الفلسطيني، ولذلك ظلّت إسرائيل متوجسة من اتفاق أوسلو عام 1994 مع منظمة التحرير. ومنذ فشل مفاوضات كامب ديفيد بين الرئيس الراحل ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك برعاية أميركية، شرعت إسرائيل في تقويض السلطة الفلسطينية، واعتبرت أن مشروع الدولة الفلسطينية يمثل تهديدًا وجوديًا لها، فسعت لتدميره وطرح بدائل تصفوية.

واليوم، تمضي إسرائيل في طرح مشروع آخر محكوم عليه بالفشل كسابقيه، متناسية أن الشعب الفلسطيني ناضل وقدم التضحيات في سبيل نيل حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وتحقيق حلم العودة إلى أرضه ووطنه. هذا المشروع الإسرائيلي، في جوهره، محاولة لإعادة القضية الفلسطينية إلى مربع العشائرية، ودفن حلم الدولة، في ظل مساعٍ مستمرة لضم الضفة الغربية بشكل كامل.