في زمن التصدّع والتشكيك والانهيار، حيث تعددت السكاكين في خاصرة القضية الفلسطينية، يأتي انتصار حركة "فتح" في انتخابات نقابة المحامين الفلسطينيين بمثابة تأكيد جديد– لا يقبل اللبس– على أن الوعي الفلسطيني، الشعبي والنخبوي، ما زال يقظاً، متماسكاً، حرّاً، يميّز بين المشروع وبين الوهم، بين من يمثّل الشعب فعلاً، ومن يتطفّل عليه ادّعاءً.
هذا الفوز، الذي لم يكن نقابياً بقدر ما كان سياسياً وطنياً بامتياز، يتجاوز كونه عدد مقاعد أو نتائج صناديق، إلى استفتاء شعبي نخبوي لصالح الثوابت، والبوصلة الوطنية التي لم تحِد يوماً عن مركزها. فحين تقف "فتح" ومنظمة التحرير ومؤسساتها الشرعية أمام منافسين بعضهم يعاني من أزمة هوية وطنية أو مشروع غائم، وتنتصر رغم الحملات المضادة في الضفة الغربية، فإن ذلك دليل واضح على رسوخها في الوجدان الفلسطيني، والإرادة الجمعية والذاكرة الكفاحية لهذا الشعب.
"فتح" هي قلب المشروع الوطني، وهي روح منظمة التحرير التي لا تزال– رغم كل ما مرّ– الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا. مؤسساتها هي التعبير العملي عن السيادة الفلسطينية، رغم الاحتلال، رغم الحصار، رغم التشكيك. وإن فازت في نقابة المحامين، فإنها انتصرت في ميدان الوعي، لأن المحامين هم من طليعة المجتمع، ميزان عدله وصوته القانوني في وجه الانتهاك.
وفي زمن الغوغائية والتنمر السياسي، وسط شعارات فارغة تدغدغ المشاعر لكنها لا تبني وطناً ولا تصنع دولة، فإن هذا الانتصار النقي يحمل رسالةً مزدوجة:
- أولاً، إلى الداخل الفلسطيني بأن الشرعية الوطنية ما زالت حيّة، قادرة على استنهاض الجماهير، وعلى فرض ثقتها رغم حملات التشويه المنهجية.
- ثانيًا، إلى الخارج بأن الفلسطينيين، رغم الكارثة المستمرة في غزة، ورغم التجويع والعدوان، لا يساومون على تمثيلهم، ولا يقبلون القفز فوق تاريخهم ولا مصادرة مصيرهم.
نعم، فوز "فتح" هو صفعة للمرتهنين للخارج، ولكل من يحاول التسلق على حساب نضالنا، وهو ردّ عملي على كل المحاولات اليائسة لإعادة هندسة المشهد الوطني بما يخدم مشاريع التقسيم والانفصال. لقد انتصر الوعي الفلسطيني على الانقسام، على العبث، على التوظيف الإقليمي، ليقول: ما زالت "فتح" في وجداننا، لأننا نؤمن بأن الثورة ممارسة ومشروع وبوصلة.
من نقابة المحامين إلى كل مؤسسات الشعب، لا بد أن يُعاد التأكيد: لا شرعية إلا عبر صناديق الإرادة الوطنية، لا تمثيل إلا من خلال مشروع تحرري جامع، لا بديل عن "فتح" كرافعة نضالية، ولا بديل عن منظمة التحرير كبيت للكل الفلسطيني.
ختاماً، من أراد أن يختبر نفسه في عيون الناس، فليذهب إلى الصناديق، لا إلى المنابر. ومن أراد أن يكون مع الشعب، فليصطف مع المشروع الوطني، لا على هامشه. أما "فتح"، فقد قالت كلمتها، وأعاد الناس قولها معها: نحن الشعب، ونحن القرار، ونحن فلسطين.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها