أيًا كانت الصفقة التي ستوقف العدوان الحربي الإسرائيلي على قطاع غزة، فإنها لن تكون نهاية الصوت، في خطاب الموت، إن صح التعبير والتقدير، فالقطاع يئن تحت وطأة الحزن، والألم، والجوع، والعطش، والخراب العميم. من أين سيعود أهل القطاع بالجدران لبيوتهم، ومدارسهم ومشافيهم ومساجدهم؟ من أين سيجدون السبل، لإعادة عمل بنياتهم التحتية، ومؤسساتهم الخدمية، والطرق لمشاوير حياتهم اليومية، وبأي بلسم سيعالجون جراحهم، جراح الروح، قبل جراح الجسد؟.

وأيًا كانت الصفقة، ولا شك أن هناك واحدة ستكون بعد قليل، فإنها لا مناص الصفقة التي ستطلق في المحصلة على ألسنة أهل القطاع المكلومين، سيلاً من الأسئلة الكبرى، لا سيما أن الصفقة لن تنطوي- كما بات معلومًا- على أي هدف من الأهداف التي قالت حماس إنها غاية طوفانها، طبقًا لخطاب الضيف صبيحة السابع من أكتوبر 2023، فلا حرية، ولا تحرير تحقق، لا لفلسطين، ولا للأقصى، ولا عربدة المستوطنين، واقتحاماتهم التلمودية لباحاته توقفت، بل تزايدت، على نحو محموم، مع اعتداءاتهم الإرهابية التي توسعت بحماية جيشهم، حتى باتت تطال الضفة الفلسطينية المحتلة بأسرها. لا بل إن "الطوفان" لم يخفق في تحقيق أي هدف من أهدافه فحسب، وإنما سمح للمحتل الإسرائيلي بالتمادي في حرب الإبادة ضد فلسطين، وقضيتها العادلة، حتى تجرأ على الإعلان عن غايته فرض سيادته على الضفة الفلسطينية المحتلة.

سيل من الأسئلة الكبرى، ستطلقه الصفقة التي على ما يبدو أنها ستكون صفقة هدنة لستين يوما، بلا أي ضمانات لإنهاء العدوان الحربي الإسرائيلي، قبل استكمال مخطط فصل القطاع، عن الضفة الفلسطينية، بدلالة لا حديث في الصفقة، وبلا أي كلمة من الكلمات، عن إنهاء عدوان الاحتلال المتواصل على الضفة المحتلة، ولا أي إشارة إلى ضرورة التسوية السياسية  الشاملة.  سيل من أسئلة البحث أو الكشف عن الحقيقة، لماذا كان الطوفان، ولصالح من؟ وقد بان الآن تمامًا أنه لم يكن لصالح فلسطين وقضيتها، ومشروعها التحرري، ولا بأي حال من الأحوال. وهل غابت عن "حماس" حقًا، حسابات العقل والمسؤولية، أم أنها التبعية التي سلبت كل إرادة عندها وجعلتها مجرد أداة بيد طهران، متآمرة حتى على مذهبها، وهي ترتمي في أحضان ولاية الفقيه، وتقبل يدي مرشد الولاية. ألا تدرك حماس اليوم، أن طهران قد خانتها، ومنذ أن قضى باغتيال غامض، رئيس مكتبها السياسي، إسماعيل هنية، وهو في أحصن بيوت طهران الأمنية. ألا تدرك بأنها كانت مجرد أداة في محور صنعته إيران، لخدمة مشروعها النووي ليس إلا. لو كانت طهران عاصمة لمحور المقاومة حقًا، لأطلقت صاروخًا واحدًا من صواريخها الفرط صوتية، على إسرائيل، في اليوم الثاني من الطوفان، معلنة بذلك انخراطها في المعركة، لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة سريعًا، ولما طال حتى لأسبوعين أو ثلاثة. ولعل 12 يومًا من الحرب الإسرائيلية الإيرانية دليل على ذلك.

ما الذي فعتله حماس بفلسطين وقضيتها، وهي لا تفاوض اليوم سوى على خروج آمن لها مما صنعت تبعيتها المدمرة، وجهالتها الفاقعة، وحساباتها الشعبوية.

الاحتلال الإسرائيلي مسؤول عن كل الجرائم التي ارتكبها، وما زال يرتكبها ضد شعبنا في القطاع والضفة، لكن "حماس" التي وفرت الذريعة للاحتلال، بالحسابات الخاطئة، والتبعية المذلة، لن تنجو أبدًا من المساءلة، والمحاسبة بحقيقة أنها مسؤولة كذلك عما تحقق من كارثة كبرى لفلسطين وشعبها وقضيتها العادلة.

وأيًا كانت الصفقة فإننا نتطلع ان تكون مقدمة لأنهاء العدوان الحربي الإسرائيلي على القطاع المكلوم ولعلها توفر لأهله الضحايا 60 يومًا من نهار وليل بلا قصف ولا جثامين.