من البديهي القول إن الحروب والصراعات العسكرية ترمي إلى تغيير واقع معين إلى آخر جديد، وتحقيق أهداف سياسية يفرضها المنتصرون فيها، وهي وقائع وسياسات لا يمكن تحقيقها من خلال العمل الدبلوماسي والسياسي. كما أن البيئة السياسية الحاضنة للنظام بشكل عام تلعب دورًا مهمًا في مسار التحرر الوطني، إلى جانب الواقع الجيوسياسي الذي تفرزه الصراعات القائمة على القضايا الوطنية.

نتائج الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط، بدءًا من غزة مرورًا بلبنان وسوريا والعراق واليمن، وانتهاءً بإيران، وانتخاب الرئيس ترامب ووصوله إلى البيت الأبيض، فضلاً عن ضعف القوى السياسية الدولية واللاعبين الرئيسيين في النظام العالمي، كلها عوامل ستسهم في رسم ملامح "الشرق الأوسط الجديد" وفق موازين القوى المهيمنة في المنطقة.

الحرب الإيرانية– الإسرائيلية، التي انطلقت شرارتها من غزة، أدت إلى انحسار أذرع المحور الإيراني في مختلف مواقعها بالشرق الأوسط، وفي الصدام الأخير على الأراضي الإيرانية، والذي تابعه العالم عبر الشاشات، نُفذت ضربات استراتيجية بين الأطراف، وبرزت فيه قوة الطيران الإسرائيلي، والصواريخ الإيرانية، والأسلحة الاستراتيجية الأميركية، وهو ما أسس لمرحلة جديدة قد ترسم ملامح المنطقة لسنوات قادمة، فنحن نستدل على ذلك من خلال التصريحات لشخصيات مختلفة أميركية وعربية ودولية ومحللين سياسيين وتتبع محادثات الصفقات لإنهاء الحرب على غزة.

أما الحرب الإسرائيلية على غزة والضفة الغربية، فهي ليست مجرد خاتمة لمرحلة طالت منذ اتفاق أوسلو، حيث تم تجميد القضية الفلسطينية وخضعت غزة لحصار مشدد بعد الانقلاب الذي نفذته حركة حماس واستلامها الحكم في غزة عام 2007، بل تشكل مدخلاً لمرحلة أشد خطورة، تتشكل ملامحها تحت غبار الدمار، وتُنسج مفرداتها في الغرف المغلقة بين عواصم القرار الإقليمي والدولي.

المفاهيم الجديدة المتداولة– من إعادة الإعمار المشروط، إلى "الكيان الفلسطيني البديل"، و"الإدارة الإقليمية المؤقتة"– ليست مجرد اجتهادات، بل تشير إلى ملامح تسوية سياسية ملتوية تعيد إحياء منطق "صفقة القرن" الأولى التي رفضها الفلسطينيون عام 2020، والتي قامت على أساس شطب قضايا القدس واللاجئين، ومنح 30% من الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية، ولكن بصيغة أكثر نعومة وخطورة.

ملامح الصفقة الجديدة تأتي بعد حرب استمرت زهاء عامين على غزة، وحرب ناعمة على الضفة الغربية. أول هذه الملامح، في اعتقادي، يتمثل في إدارة جديدة لغزة بإشراف عربي ووصاية دولية، دون وجود لمنظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية أو حتى حركة حماس، التي أدارت غزة على مدار خمسة عشر عامًا، وذلك من خلال توظيف الواقع الإنساني المنهك في القطاع.

وحتى لو افترضنا حسن النوايا، فإن الجسم الجديد المقترح لإدارة غزة هو كيان بلا هوية سياسية، منفصل ومرتبط بأجندة إقليمية، مهمته الأولى والأساسية هي الانغماس الكلي في إدارة الشؤون الإنسانية، وهي مهمة يتم تمديدها بقرار سياسي دولي، تحت ذرائع إنسانية، وبعيدًا عن أي ارتباط سياسي بدولة فلسطينية عاصمتها القدس.

إعمار غزة، هو برأيي المتواضع ما نطلق عليه مربط الفرس الذي سيتم من خلاله رسم السياسة الجديدة في القطاع، تحت غطاء البقاء على قيد الحياة، وتوظيف هذا المطلب كشرط يتطلب الهدوء السياسي، وغالبًا ما سيستمر هذا الوضع لعقدين ونيف من الزمن لإنجاز هذه المرحلة.

أما في الضفة الغربية، حيث تدور حرب ناعمة تفرضها إسرائيل، فالواقع يتحدث عن نفسه، حيث يلتهم الاستيطان الأرض، والواقع الجغرافي يمنع قيام دولة فلسطينية بفعل المعازل، والمستوطنات، والشوارع الالتفافية. جميع المدن الفلسطينية تعتبر ساقطة أمنيًا لأسباب موضوعية، مع قدرة الجيش الإسرائيلي على الوصول إلى أي نقطة في الضفة خلال دقائق معدودة.

ومن أبرز ملامح المرحلة المقبلة أيضًا، الانخراط في ركب منظومة التطبيع مع دولة الاحتلال، حيث بدأنا نسمع أن عددًا من دول الإقليم في طريقها للانضمام إلى ما يسمى "اتفاقيات أبراهام"، والتطبيع مع إسرائيل، دون أن تجد القضية الفلسطينية حلاً، بل يبقى عليها في إطار ما يسمى "السلام الاقتصادي"، وهو مشروع إسرائيلي تبناه نتيناهو رئيس الوزراء الاسرائيلي ضمن رؤيته للسلام في الشرق الأوسط يهدف إلى إنعاش الوضع الفلسطيني اقتصاديًا، مقابل فرض السيطرة والهيمنة الإسرائيلية على الأرض.

كثير من المفاهيم ستتغير، ولن يكون للتعابير التي درجت في قاموسنا العربي والفلسطيني قيمة تذكر في هذه المرحلة. وعلى ضوء هذا الواقع، الذي أبرز سماته استمرار السياسة الإسرائيلية في فرض الهيمنة، وامتداد أذرعها من حدود روسيا شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، فإن أي رفض لهذه المسارات يعتبر تهديدًا لأمن الإقليم، وسيجري التعامل معه عبر ذراع إسرائيل الطويلة والقوية.

في ظل هذا النهج، تبرز ملامح الصفقة الجديدة، أيًّ كان اسمها، والتي تقوم على كي الوعي الفلسطيني ودفن الرواية الفلسطينية والتي تقوم على انكار اللجوء وحق العودة. 

ولهذا، فإن حرب البنادق، إذا ما انتهت اليوم أو غدًا في غزة، فإن الحرب على الفلسطينيين سوف تستمر، بوسائل أخرى، أبرز صفاتها هو  طمس الهوية الفلسطينية، والحلم الوطني في إقامة دولة فلسطينية، وتحويل الفلسطيني إلى مجرد ضحية تحتاج إلى المساعدات الإنسانية، لا صاحب حق وقضية.

لقد رفض الشعب الفلسطيني "صفقة القرن" الأولى، أما البوادر الجديدة للصفقة الثانية، التي تفوح رائحتها وتنتظر لحظة الانطلاق، فهي في اعتقادي قاب قوسين أو أدنى، وهي بحاجة إلى كل الفلسطيني  والموقف الفلسطيني الموحد، النابع من الوعي الوطني الصادق، لتقويم المسار إذا ما احتاج إلى ذلك، في حق مقدس غير منقوص.

فموازين القوى على الأرض هي التي تتحدث، وهي التي تفرض التوازنات في مواجهة الطروحات السياسية القادمة، وحتى لا نتفاجأ بواقع جديد يتحدث عن فلسطين لا نعرفها، لا في شكلها ولا في مضمونها، ولا تمت لها بصلة.

وفي كل الأحوال، أيًّ تكن الصفقة القادمة والتي تتبلور مكوناتها خلف الكواليس وفي ردهات السياسة وبعيدًا عن أصحابها، فإن لم يعد  للفلسطيني حقه في دولته، وعاصمتها القدس، وحق العودة، والتعويض عما لحق به من نكبات، فالأفضل لها أن تبقى في طي الأدراج المغلقة.