في غزة تستمر آلة الحرب الإسرائيلية في ارتكاب المجازر وسط دمار شامل وانهيار إنساني غير مسبوق، فيما يشتد الحصار وتستهدف حتى نقاط توزيع المساعدات. وفي الضفة الغربية، تتسارع وتيرة الاستيطان، وتَتَكرّر الاقتحامات والاعتقالات وسط محاولات لفرض واقع جديد بالقوة. وللإحاطة بهذا المشهد، استضافت الإعلامية مريم سليمان عبر قناة فلسطيننا الكاتب والمحلل السياسي وعضو المجلس المركزي الفلسطيني، عمران الخطيب.
بداية أكّد الخطيب، على أن استمرار استهداف الاحتلال الإسرائيلي لنقاط توزيع المساعدات في قطاع غزة يأتي في إطار مخطط ممنهج لتهجير سكان القطاع وفرض واقع من الإبادة البطيئة، مشيرًا إلى أن الاحتلال يتعمد استخدام القوة المفرطة ضد المدنيين الذين يحاولون الوصول إلى المساعدات الإنسانية، بهدف إيصال رسالة بأن لا مكان آمن في غزة.
وأشار الخطيب إلى أن الاحتلال يسعى لتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية إنسانية بحتة، مستغلًا صور الحشود الفلسطينية التي تتجمع لتلقي المساعدات، في محاولة لتسويق صورة مشوهة أمام المجتمع الدولي، مفادها أن الفلسطينيين لا يبحثون سوى عن المأكل والمشرب. واعتبر أن هذه السياسة تهدف إلى طمس الجرائم الحربية والإبادة الجماعية التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني في القطاع.
ولفت إلى أن المساعدات التي تدخل غزة غير كافية إطلاقًا لمليوني فلسطيني محاصرين، في ظل انقطاع الكهرباء والماء والمحروقات والمواد الأساسية، محملًا إسرائيل مسؤولية تدهور الأوضاع الإنسانية. كما أشار إلى دور أطراف محلية وأجنبية مشبوهة في التحكم بعملية توزيع المساعدات، بالتوازي مع تغييب مقصود لدور السلطة الوطنية الفلسطينية، ومنع مؤسسات مثل الأونروا والهلال الأحمر من أداء واجباتها.
وحذّر الخطيب من أن الوصول إلى المساعدات أصبح يرتبط بخطر الموت، في ظل استهداف متكرر للمدنيين، وسط صمت دولي مطبق، بما في ذلك من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي لم تتخذ أي موقف حازم تجاه هذه الانتهاكات.
وبخصوص الحلول، شدّد الخطيب على أن المدخل الأساس لمواجهة هذه السياسات الإسرائيلية هو إعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، داعيًا حركة حماس إلى اتخاذ مواقف منسجمة مع وحدة الصف الفلسطيني، ومؤكدًا على أن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ولا يجوز البحث عن بدائل مشبوهة لقيادة القطاع.
وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي، منذ بداية عدوانه، يرفض وجود كل من "فتح" و"حماس" في غزة، ما يكشف عن نية واضحة لفرض فراغ سياسي يُمكّن من تنفيذ مخطط التهجير الجماعي، وتحويل القطاع إلى منطقة بلا قيادة وطنية موحدة.
وأكد الخطيب أن العنوان الرئيسي الذي يجب أن يتمسّك به الفلسطينيون في هذه المرحلة هو منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد المعترف به دوليًا وشعبيًا. وأشار إلى أن السلطة الوطنية الفلسطينية، التي نشأت عن هذه المنظمة التي أصبحت عنوانًا لدولة فلسطين، والتي كان من المقرر أن يتم الاعتراف بها في مؤتمر دولي في السادس عشر من الشهر الجاري، بمشاركة قوى دولية كفرنسا وبريطانيا.
وأوضح أن تصريحات بعض قيادات حركة حماس، التي تفيد بالاستعداد للتخلي عن حكم غزة دون تحديد جهة بديلة، تفتح الباب أمام فراغ سياسي وأمني تستغله إسرائيل لمزيد من الهيمنة والتمدد. وأضاف أن الاحتلال لا يرفض فقط وجود "فتح" أو "حماس" في غزة، بل يسعى إلى تقويض كل مكونات المشروع الوطني الفلسطيني.
وشدّد الخطيب على أن الهدف الاستراتيجي للعدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة والضفة الغربية هو منع قيام الدولة الفلسطينية، مؤكدًا أن إسرائيل تستخدم الحرب والضغوط الاقتصادية من أجل دفع الفلسطينيين إلى الهجرة الطوعية، كما حدث عام 1948. وأضاف أن الشعب الفلسطيني، ورغم كل المعاناة، متمسّك بهويته الوطنية وبحقه في البقاء على أرضه، مستشهدًا بما شاهده بنفسه خلال عدوان 2012 و2014 من عائلات عادت إلى غزة رغم العدوان.
وأشار إلى أن الأوضاع في الضفة الغربية لا تقل خطورة عنها في غزة، من حيث الاعتداءات اليومية للمستوطنين تحت حماية القوات الإسرائيلي، ومصادرة الأموال الفلسطينية، وحرمان عشرات آلاف العمال من مصدر رزقهم، وهو ما يفاقم الأزمة الاقتصادية. وأوضح أن إسرائيل تسخّر أموال الضرائب الفلسطينية المصادرة لتعويض مستوطنيها، بل وقد تُستخدم لتعويض خسائرها في عدوانها على إيران، في انتهاك صارخ للحقوق الفلسطينية.
ونوّه الخطيب إلى أن إسرائيل تسعى عبر الاستيطان المتسارع، والاقتحامات اليومية للمسجد الأقصى بقيادة بن غفير، إلى فرض وقائع جديدة تمنع أي أفق لحل سياسي أو اعتراف بدولة فلسطينية. لكنه أكد، في المقابل، وجود اصطفاف دولي متزايد إلى جانب الحقوق الفلسطينية، حيث باتت العديد من شعوب ودول العالم ترى بوضوح جرائم الاحتلال، وتدعم الاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة.
ودعا الخطيب إلى وحدة وطنية فلسطينية حقيقية، على غرار ما أظهره الإسرائيليون من وحدة بين الحكومة والمعارضة خلال العدوان على إيران. وشدد على أن الفلسطينيين، بمختلف أطيافهم، بحاجة ماسّة إلى تجاوز خلافاتهم وتوحيد صفوفهم خلف منظمة التحرير الفلسطينية، من أجل خوض المعركة السياسية والدبلوماسية القادمة بنجاح.
وخلال الحوار أكد الخطيب على أن العدوان الإسرائيلي على إيران لم يكن ليتم دون ضوء أخضر أمريكي ودعم مباشر من الإدارة الأمريكية. وأشار إلى أن إسرائيل سعت من خلال هذه الحرب إلى ترسيخ مكانتها كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط، غير أن الرد الإيراني امتص الضربة الأولى وفرض على الاحتلال وقف إطلاق نار غير مشروط.
ولفت الخطيب إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجد نفسه مضطرًا للتوسل من أجل إنهاء المواجهة، خاصة بعد فشل المنظومة الأمنية الإسرائيلية في صد الضربات الإيرانية، ما أدى إلى إضعاف موقفه داخليًا، إلى جانب تراجع هيبة اليمين الإسرائيلي.
وأضاف الخطيب أن هذا الفشل الإسرائيلي سيكون له انعكاسات إيجابية على القضية الفلسطينية، حيث سيعيد خلط الأوراق في الإقليم، ويقوّض المشروع الإسرائيلي الساعي إلى السيطرة التامة على المنطقة. كما شدد على ضرورة أن يستثمر الفلسطينيون والعرب هذه اللحظة لإعادة بناء تحالفاتهم السياسية والاقتصادية والبرلمانية، وخلق قطب عربي موازن للنفوذ الإيراني والتركي.
وفي هذا السياق، جدد الخطيب دعوته إلى توحيد الصف الوطني الفلسطيني، مؤكدًا أن مسؤولية جمع الفرقاء تقع على عاتق منظمة التحرير الفلسطينية، التي يجب أن تضم في صفوفها ليس فقط الفصائل، بل أيضًا القوى الشعبية والشخصيات الوطنية في الداخل والخارج، بهدف إعادة رسم المشروع الوطني الفلسطيني ومواجهة التحديات السياسية والميدانية.
وختم الخطيب بالإشارة إلى أن الوضع الحالي يتطلب من جميع الفلسطينيين الاصطفاف خلف ممثلهم الشرعي والوحيد، منظمة التحرير الفلسطينية، مشددًا على أن الوحدة الوطنية هي المدخل الوحيد لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية وتحقيق المكاسب السياسية في هذه المرحلة الحساسة.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها