في هذه النافذة التي نخصصها للحديث عمّا تتعرض له مدينة القدس من عمليات تهويد متصاعدة، استضافت الإعلامية زينب أبو ظاهر، عبر اتصال هاتفي على قناة "فلسطيننا"، المستشار الإعلامي لمحافظة القدس، الأستاذ معروف الرفاعي.

بدايةً أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد الرفاعي أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسارع الخطى بعد السابع من أكتوبر، وفي ظل انشغال العالم بالحروب الإقليمية والدولية، خصوصًا في غزة وإيران وروسيا وأوكرانيا، لتنفيذ مخططات تهويدية واستيطانية في مدينة القدس.

وأوضح أن هذه المخططات تهدف إلى توسيع حدود بلدية الاحتلال وضم أكبر مساحة ممكنة من الأراضي، عبر إقامة مشاريع استيطانية في أحياء القدس، خاصة في بلدة سلوان التي تُعد الحاضنة الجنوبية للمسجد الأقصى، وتضم أحياء ملاصقة تمامًا للحائط الجنوبي للحرم الشريف، كحي البستان، بطن الهوى، وادي ياصول، وعين اللوزة.

وأشار الرفاعي إلى أن الجمعيات الاستيطانية، مثل العاد وعطيرت كوهنيم، تسعى للسيطرة على هذه الأحياء ضمن مشروع استيطاني متكامل، يهدف في نهايته إلى إقامة الهيكل المزعوم مكان قبة الصخرة.

ولتحقيق هذا الهدف، اعتمد الاحتلال على قانون أقره عام 1970 يتيح لليهود المطالبة بممتلكات التي تعود إليهم قبل عام 1948 سواءً في زمن الحكم الإنكليزي أو الأردني، بينما يحرم الفلسطينيين من المطالبة بأملاكهم في القدس الغربية والمدن المحتلة. ومنذ عام 2005، بدأت هذه الجمعيات برفع دعاوى قضائية ضد سكان سلوان، بدعم من محاكم الاحتلال المنحازة، التي أصدرت أوامر بإخلاء المنازل لصالح المستوطنين.

وبيّن الرفاعي أن حي بطن الهوى وحده يضم نحو 85 منزلًا يسكنها أكثر من 700 فلسطيني، 90% منهم لا يملكون أي مأوى بديل، ما يعني أن تنفيذ أوامر الإخلاء سيؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة بحق مئات العائلات.

وأشار إلى أنه تم رفض اعتراضات سكان أكثر من 26 منزلًا حتى الآن، ويُقدّر عدد المتضررين من قرارات المحاكم الإسرائيلية بأكثر من 130 فلسطينيًا، في سياق واضح لسياسة التهجير القسري والاستيطان الممنهج.

حول سبل دعم العائلات المقدسية لمواجهة الهجمات الإسرائيلية، شدّد الرفاعي على ضرورة توفير غطاء قانوني عبر اللجان القانونية والمحامين الذين يترافعون عن أصحاب المنازل أمام المحاكم الإسرائيلية، رغم انحياز القضاء لصالح الجمعيات الاستيطانية وتعاطيه مع القضايا بشكل سياسي لا قانوني.

وأكد أهمية تعزيز صمود الأهالي، خاصة من تم إفراغهم قسرًا من منازلهم، عبر تأمين سكن بديل لهم داخل القدس، ودعمهم ماديًا، خصوصًا بعد فقدان العديد منهم وظائفهم داخل الأراضي المحتلة بعد 7 أكتوبر، وفرض غرامات باهظة ومخالفات متراكمة منذ عشرين عامًا لإجبارهم على تسليم منازلهم.

ودعا الرفاعي إلى إنشاء صندوق لدعم المتضررين، مشددًا على ضرورة بقائهم في القدس وعدم السماح بتهجيرهم، حفاظًا على الوجود الفلسطيني الذي يشكّل نحو 43% من سكان المدينة.

أكّد الرفاعي أنه لولا تقاعس المجتمع الدولي عن تنفيذ قراراته، لما تمادى الاحتلال في انتهاكاته وجرائمه بحق المقدسيين. فهناك عشرات القرارات الدولية التي تعتبر الاستيطان غير شرعي، وتؤكد أن القدس الشرقية مدينة محتلة وعاصمة للدولة الفلسطينية المستقبلية، لكن هذه القرارات بقيت دون تنفيذ.

وأشار إلى أن الدعم الأمريكي، خصوصًا منذ عام 2018 بعد اعتراف إدارة ترامب بالقدس عاصمة موحدة للاحتلال ونقل السفارة الأمريكية إليها، هو ما منح حكومة نتنياهو الضوء الأخضر للاستمرار في هذه السياسات العدوانية.

أكّد أن الاحتلال هدم منذ السابع من أكتوبر 2023 نحو 623 منزلًا ومنشأة في مدينة القدس، وهو رقم يندرج ضمن المعدلات السابقة، لكن الجديد هذه المرة أن الوزير المتطرف بن غفير تسلّم ملفًا كاملًا بإخطارات الهدم، والتي تطال نحو 35,000 عقار في المدينة. موضحًا أن كثير من هذه الإخطارات كانت قيد النظر أمام المحاكم الإسرائيلية، وكان بإمكان الفلسطينيين الاعتراض قانونيًا، إلا أن بن غفير بدأ بإصدار أوامر مباشرة للهدم، متجاوزًا القضاء.

وأضاف أن الأخطر هو توسع عمليات الهدم إلى ما وراء جدار الفصل العنصري، لتشمل مناطق مثل حزما، عناتا، الرام، وجبل المكبر، ما يشير إلى سعي بلدية الاحتلال لتوسيع حدود “القدس الكبرى” التي يسعون لإقامتها من خلال ضمّ مزيد من الأراضي المحيطة، تحت ذرائع أمنية أو لتسهيل مشاريع استيطانية مثل إقامة شوارع استيطانية أو حواجز، والتخلص من الأبنية الفلسطينية التي تعتبرها عائقًا أمام هذه المخططات.

أوضح أن بلدية الاحتلال داخل الجدار هي الجهة المخوّلة بإصدار تراخيص البناء، لكنها نادرًا ما تمنحها للفلسطينيين، وإن منحت، تكون بتكاليف باهظة تتراوح بين 200 و300 ألف دولار، وتشترط البناء خلال فترة زمنية محددة، وإلا تُسحب الرخصة.

أما خارج الجدار، في ضواحي القدس مثل عناتا وحزما، فالتراخيص تُمنح من بلديات تابعة للسلطة الفلسطينية ووزارة الحكم المحلي، وهي خارج صلاحيات بلدية الاحتلال. رغم ذلك، تواصل قوات الاحتلال هدم هذه المباني، بحجة أنها تعرقل مخططات توسيع حدود بلدية القدس، باتجاه أريحا شرقًا وبيت لحم جنوبًا، في إطار مشروع “القدس الكبرى”.

وأكد الرفاعي على أن مدينة القدس تعيش حالة حرب موازية لما يجري في قطاع غزة، في ظل خناق مشدد، واعتقالات واسعة تجاوزت 5500 معتقل، لا يزال منهم نحو 600 قيد الاحتجاز، معظمهم بأحكام إدارية قاسية. كما تُحاصر المدينة بـ85 حاجزًا، ويُمنع سكان الضفة الغربية من دخولها، إلى جانب تسارع عمليات الهدم.

واختتم الرفاعي حديثه مؤكدًا على أن الاحتلال يستهدف كل مقومات الوجود الفلسطيني في القدس، من خلال محاربة المنهاج التعليمي، وإغلاق المؤسسات، وإبعاد رموز العمل الوطني مثل محافظ القدس، ووزير شؤون القدس، وأئمة المسجد الأقصى، إضافة إلى إبعاد المرابطين والمرابطات. وأكد أن إسرائيل تسعى لفرض سيطرتها الكاملة على المدينة، مستغلةً انشغال المجتمع الدولي، لتمرير مخططاتها القديمة منذ عام 1967.