بقلم: محمد دهمان
في قطاعٍ محاصر بالنار، حيث تُقصف المدارس كما تُقصف البيوت، وتُمحى الجامعات كما تُمحى الأحلام، ولم يعد التعليم حقًا مسلّمًا به، بل بات شكلاً من أشكال الصمود.
لا فصول دراسية في غزة، ولا مختبرات، ولا سبورات، بل خيام، وهواتف محمولة، واتصال هشّ بالإنترنت، حيث يُصارع المعلمون والطلبة من خلاله كي يُبقوا شعلة المعرفة متقدة وسط ظلام العدوان والنزوح.
تروي أستاذة مساقات اللغة الإنجليزية بجامعة القدس المفتوحة المحاضِرة الجامعية هيا ياسر الأغا (40 عامًا)، تفاصيل رحلتها التعليمية الصعبة في زمن العدوان، قائلة: "منذ أن بدأت مسيرتي الأكاديمية عام 2019 بعد تخرجي من الجامعة الإسلامية وتنقلي بين وظائف عدة، شعرت أن التعليم هو المجال الذي أستطيع أن أُعطي فيه أكثر".
وتضيف: مع بدء العدوان، ورغم كل التعقيدات، كانت لدي رغبة في الاستمرار، خاصةً حين دعتنا إدارة الجامعة للتطوع في إعطاء المحاضرات عبر الإنترنت، فكنت من أوائل المبادرين.
وتتابع الأغا، وهي أم لثلاثة أبناء (إبراهيم 15 عامًا)، و (سارة 14 عامًا)، و (إلياس 4 أعوام)، حديثها قائلة: "بدأت أولى المحاضرات من منزلي في شرق محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، لكننا اضطررنا لإخلائه في الثاني من كانون الأول/ديسمبر 2023 تحت تهديد جيش الاحتلال الإسرائيلي".
وتضيف: "انتقلت مؤقتًا إلى وسط المدينة، ثم إلى محافظة رفح بسبب القصف العنيف، وهناك بدأ الانقطاع القسري عن طلابي بسبب انعدام الكهرباء والإنترنت، وأبسط مقومات الحياة".
لكن أقسى ما مرت به لم يكن فقط النزوح، بل وفاة والدها، الذي فارق الحياة فجأة ولشدة حزنها انقطعت عن التعليم، ومع تدهور الأوضاع في رفح اضطرت في الثالث من آذار/مارس 2024 للنزوح مجددًا إلى منطقة المواصي على شاطئ خان يونس، وهناك واجهتها صعوبات كبيرة في الاتصال في الطلبة، سواء بسبب ضعف الإنترنت أو الوضع الأمني.
ورغم كل ذلك، لم تتخلَّ هيا عن رسالتها، فمع بداية تموز/يوليو، بدأت بالعودة التدريجية للتعليم.
تقول الأغا: "من أصعب المواقف التي عايشتها استشهاد أحد طلابي، كريم مهنا من بلدة القرارة، ثم استشهاد مدير فرع الجامعة في خان يونس الدكتور جهاد المصري، كانت صدمة كبيرة لي وللطلاب".
وتؤكد أن المراجع والكتب لم تكن متوفرة، فاعتمدت على مجهودها الشخصي في البحث عنها إلكترونيًا رغم ضعف الشبكة، ومن المفارقات أن أحد الفصول الدراسية كان يضم 93 طالبًا وطالبة، بينما ضم فصل آخر طالبة واحدة فقط، بسبب انقطاع الإنترنت عن مناطقهم.
تشير إلى أنها كانت تنتقل من مكان إلى آخر لتحصل على اتصال بالإنترنت، يمكنها من إعطاء المحاضرات، وأحيانًا كانت تدرّس طلابها وفي الوقت نفسه تتابع دروس أطفالها، وترعى طفلها الصغير الذي لم يتجاوز عمره أربع سنوات، وفي كل ذلك، كان زوجها ياسر الأغا سندها الأول، يتولى مسؤوليات المنزل، ويوفر ما يستطيع من مأكل ومشرب داخل الخيمة التي تعيش فيها.
تقول: "بعد وفاة والدي، أصبحت أتابع رعاية والدتي، وكذلك أختي الكبرى من ذوي الاحتياجات الخاصة، اللّتين تقيمان في خيمة قرب خيمتي، ما يسّر عليّ متابعتهما يوميًا رغم كل الظروف".
وفي الجانب الآخر، تروي نادين خالد أبو لبدة، طالبة في السنة الثانية من كلية طب الأسنان بجامعة فلسطين، تجربتها القاسية وسط العدوان، قائلة: "بدأت دراستي عام 2023، لكن العدوان أوقفت عامي الأول بالكامل، أدرس حاليًا من داخل خيمة مع عائلتي، وسط انقطاع الكهرباء وغياب الإنترنت، وباستخدام هاتفي الصغير فقط، أتابع محاضرات مسجلة وملفات PDF".
دمر منزل عائلة نادين في حي السلام بمحافظة رفح جنوب قطاع غزة، بالكامل نتيجة القصف، ما اضطرهم للنزوح إلى خيمة في منطقة المواصي، تحديدًا في العطّار غرب خان يونس.
ورغم ظروف النزوح القاسية، تحاول عائلتها دعمها في مواصلة تعليمها، إذ يسعى والدها خالد، الذي فقد مصدر رزقه بسبب العدوان، لتأمين ما تحتاجه من أوراق مطبوعة ومراجع دراسية، بينما تسعى والدتها إلى تهيئة أجواء مناسبة للدراسة قدر الإمكان داخل الخيمة، رغم شح الإمكانيات وصعوبة الأوضاع المعيشية.
تضيف نادين: "لا أستطيع شحن الهاتف بسهولة، ولا أملك أدوات التدريب العملي، وكل المهارات التي يُفترض أن أتعلمها يدويًا لا يمكن ممارستها، أخرج أحيانًا إلى أماكن بعيدة تُسمى مساحات عمل فقط لتحميل المحاضرات وتقديم الامتحانات".
وتشير إلى أن الجامعة تحاول دعم الطلبة، لكن هناك فجوة كبيرة في الفهم من بعض المحاضرين خارج القطاع. مضيفةً بأن المحاصرون يتعاملون معهم وكأن الأمور طبيعية، بينما أنهم يدرسون تحت القصف، وفي خيام بلا طعام أو ماء".
رغم هذا، تؤكد ندين أنها تتمسك بأملها: "ما يدفعني للاستمرار هو إيماني العميق بأن التعليم هو طريقي لمستقبل أفضل. أحلم أن أكون طبيبة أسنان، أُداوي الألم وأرسم الابتسامة، في مدينة سرق منها العدوان كل شيء لكن لن يسرقوا الأحلام".
ومنذ بدء العدوان على قطاع غزة، في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل كلي (143) مدرسة وجامعة ومؤسسة تعليمية، وبشكل جزئي (366) أخرى.
وأسفرت عمليات القصف عن استشهاد أكثر من (13,000) طالب وطالبة، وحرمان أكثر من (785,000) من حقهم في التعليم، إضافة إلى استشهاد أكثر من (800) معلم وموظف تربوي، وإعدام أكثر من (150) أستاذًا جامعيًا وباحثًا.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها