لم تكن كفر مالك وحدها، ولن تكون الأخيرة، ما شهدته البلدة الفلسطينية الواقعة شرق رام الله من اعتداء دموي نفذته مجموعات المستوطنين، وأسفر عن ارتقاء شهداء وجرحى، هو جزء من مشهد متصاعد في الضفة الغربية، حيث يتحول العنف المنظم من أداة ضغط إلى سياسة دولة معلنة، تُدار بغطاء سياسي وعسكري مباشر من حكومة الاحتلال.
ما يجري في كفر مالك ليس مجرد انفلات عصابات استيطانية، بل حلقة ضمن منظومة متكاملة عنوانها "تهجير الفلسطيني بصيغة جديدة". تقوم هذه المنظومة على دمج أدوات العنف الميداني مع القوانين الاستيطانية، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب بين إسرائيل وإيران، والتوتر الإقليمي، لتسريع مشروع الضم الزاحف على حساب الأرض الفلسطينية.
الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تمثل أكثر الحكومات تطرفاً في تاريخ إسرائيل، تتبنى بوضوح مشروعاً يقوم على توسيع الاستيطان، وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية. المستوطنون اليوم ليسوا مجرد مجموعات خارجة عن السيطرة، بل جزء من منظومة السلطة، يحظون بالدعم السياسي والحماية الأمنية، بل وأحياناً يُنظر إليهم كذراع ميداني لتحقيق أهداف الحكومة على الأرض.
- التحديات التي يواجهها الفلسطينيون في الضفة الغربية باتت تتجاوز مسألة مواجهة المستوطنين فقط. هناك أربع مستويات من التهديد تتقاطع معاً:
1. مصادرة الأرض تدريجياً، حيث تتحول مناطق واسعة إلى جيوب استيطانية محمية، تقطع أوصال الضفة وتجعلها غير قابلة للحياة ككيان سياسي مستقل.
2. تهجير قسري ناعم، عبر جعل الحياة في القرى الفلسطينية جحيماً لا يُطاق بفعل الاعتداءات اليومية، وتدمير البيوت، وحرق الحقول، ومنع الوصول للأراضي.
3. انهيار الثقة بالسلطة الفلسطينية، التي باتت عاجزة عن تقديم الحماية، في ظل معادلات سياسية وأمنية مكبلة، ما يعمق الإحباط ويفتح الباب أمام خيارات شعبية غير تقليدية.
4. تراجع الاهتمام الدولي، إذ أن انشغال العالم بالحرب الإقليمية والصراعات الكبرى يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً لتنفيذ سياسات الضم دون ضغوط حقيقية.
- إسرائيل.. بين مشروع الضم وصوت المعارضة الهامشي
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يمكن تجاهل وجود أصوات إسرائيلية ترفض الانزلاق الكامل نحو الأبرتهايد والضم. منظمات مثل "بتسيلم" و"سلام الآن" تواصل توثيق الجرائم ومناهضة الاستيطان. وهناك تحذيرات متكررة تصدر عن شخصيات أمنية إسرائيلية سابقة، تدق ناقوس الخطر بأن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى عزل إسرائيل دولياً، ويدفعها إلى مواجهة مفتوحة مع الفلسطينيين قد لا تكون قادرة على احتوائها.
إلا أن هذه الأصوات، رغم أهميتها الأخلاقية والقانونية، تبدو محدودة التأثير أمام هيمنة اليمين القومي والديني المتطرف، الذي بات يسيطر بشكل شبه كامل على مراكز القرار السياسي والعسكري في إسرائيل.
- ما الذي ينتظر الضفة؟
إذا استمر هذا المسار دون تدخل دولي جاد، ودون تحرك فلسطيني موحد وفاعل، فإن الضفة الغربية مقبلة على سيناريوهات شديدة الخطورة، أبرزها:
- انتفاضة شعبية شاملة، قد تكون مختلفة في شكلها وأدواتها عن سابقاتها، وأكثر عنفاً وتنظيماً.
- انفجار اجتماعي داخلي بفعل فقدان الثقة بالسلطة، وغياب البدائل السياسية.
- توسع المواجهة إلى الإقليم، خاصة إذا ارتبط التصعيد في الضفة بمسار الحرب الإسرائيلية الإيرانية، ومحور المقاومة.
- فرض واقع الضم الكامل، وإنهاء أي إمكانية لحل الدولتين، ما يكرس نظام فصل عنصري طويل الأمد.
- الطريق إلى كسر المعادلة
مواجهة هذا المشهد لا يمكن أن تتم عبر أدوات تقليدية. الفلسطينيون مطالبون اليوم بإعادة بناء استراتيجيتهم الوطنية، على أسس جديدة:
- تفعيل المقاومة الشعبية والميدانية في كل القرى والبلدات المستهدفة.
- إنهاء الانقسام الفلسطيني فوراً، لصياغة موقف سياسي وطني موحد.
- تدويل الصراع مجدداً، عبر استخدام أدوات القانون الدولي، والمحاكم الجنائية، وحشد الرأي العام العالمي.
- توسيع شبكة التحالفات، ليس فقط مع القوى الدولية، بل حتى مع الأصوات الإسرائيلية المعتدلة التي ترفض مشروع الضم والأبرتهايد.
- استثمار التغيرات الإقليمية، وفرض معادلة ردع جديدة على الاحتلال، انطلاقاً من موقع الضفة في معادلة الاشتباك الإقليمي الأكبر.
كفر مالك اليوم، بكل ما تحمله من ألم ودم، ليست سوى العنوان الأوضح لمعركة مفتوحة على مستقبل الضفة الغربية. السؤال الذي يفرض نفسه: هل يتوقف العالم أمام صرخة هذه البلدة، أم أن مشروع دولة المستوطنين سيمضي دون رادع؟.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها