في غزة لا حرب عادلة ولا هدنة دائمة، فقط شعب يقاوم للبقاء، ودمار شامل ومعاناة لا تنتهي. ما يحدث ليس أزمة إنسانية، بل فضيحة أخلاقية عالمية تستصرخ الضمير الإنساني أن يستفيق. واقع مرير يقاسيه السكان أمام آمال تتجدد حول هدنة ربما لن تبصر النور. وللبحث في هذه المستجدات استضافت الاعلامية مريم سليمان في حلقة خاصة عبر قناة فلسطيننا، الكاتب والمحلل السياسي وعضو المجلس المركزي الأخ عمران الخطيب.

بدايةً أكّد الخطيب، أن الخطة الأميركية لتوزيع المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، والتي تقوم على إنشاء مراكز محددة للتوزيع، تُعدّ سياسة ممنهجة لإدامة معاناة أبناء شعبنا ودفعهم للهجرة القسرية. وأشار إلى أن هذه الخطة تهدف إلى إذلال شعبنا بإجبارهم على السير لمسافات طويلة للحصول على مساعدات شحيحة، في وقت يُمنع فيه إدخال الإغاثة الكافية للقطاع.

وأوضح الخطيب أن الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أميركي واضح، يواصل تنفيذ مشروع تهجير شعبنا، مستشهدًا برسائل نصية ترسلها سلطات الاحتلال تحثّ أبناء شعبنا على مغادرة القطاع مقابل تسهيلات لوجستية. وأكّد أن هذا التهجير يتم عبر القتل، والتجويع، وعرقلة وصول المساعدات، ويُشكّل امتدادًا لمخطط سياسي يستهدف تفكيك المجتمع الفلسطيني في غزة.

كما أشار إلى أن تغييب السلطة الوطنية الفلسطينية عن عمليات التوزيع، رغم أنها الجهة الشرعية المعترف بها دوليًا، يعكس نية واضحة لإضعاف مؤسسات الدولة الفلسطينية وعزل غزة عن باقي المحافظات. وأعرب عن استغرابه من الموقف الأميركي الذي يرفع شعار حلّ الدولتين، بينما يدعم فعليًا المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تقويض هذا الحل.

وفي رده على تصريحات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، التي نفى فيها نية إسرائيل تجويع سكان غزة، أكّد الخطيب أن هذه التصريحات كاذبة، وأن الواقع الميداني يشهد على استمرار العدوان الإسرائيلي الذي يُسفر يوميًا عن أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى، في سياق سياسة ممنهجة تهدف إلى إخلاء القطاع من أهله.

وأشار إلى أن تصريحات نتنياهو تأتي في سياق محاولة لامتصاص الضغط الدولي والاحتجاجات الداخلية، خاصة من أهالي المحتجزين الإسرائيليين. ورأى أن حكومة الاحتلال تستخدم هذه التصريحات كغطاء لسياسة الإبادة الجماعية والتهجير التدريجي عبر الحصار والمجازر.

وفيما يخص "خطة مركبات جدعون"، أكّد الخطيب أنها تهدف إلى إضفاء بُعد ديني على سياسات الاحتلال، لإرضاء الأحزاب المتطرفة في الحكومة الإسرائيلية، ودعم سياسات القتل والتنكيل بشعبنا. ولفت إلى تقارير تشير إلى تهجير نحو 600 ألف فلسطيني، مؤكدًا أن الهدف الفعلي للعدوان ليس استهداف المقاومة، بل تفريغ القطاع من شعبنا.

وحول الموقف الدولي والعربي، أشار الخطيب إلى غياب إجراءات حقيقية لردع الاحتلال، منتقدًا الصمت العربي الرسمي، وعدم اتخاذ خطوات فاعلة كقطع العلاقات أو تجميد الاتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي.

وفي الشأن الداخلي الفلسطيني، شدّد الخطيب على أن لا مخرج من الأزمة دون وحدة وطنية حقيقية. وأكّد أن ترتيب البيت الفلسطيني شرط أساسي لمواجهة التحديات، مشيرًا إلى مبادرات الحوار التي أطلقتها القيادة الفلسطينية، ودعوة الرئيس محمود عباس لتسريع الجهود نحو المصالحة، خاصة مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

وأبدى الخطيب أسفه لما وصفه بـ"تلكؤ" بعض الأطراف الفلسطينية، معتبرًا أن التعويل على الضغوط الخارجية لا يمكن أن يحلّ محل الإرادة الوطنية. ودعا إلى توحيد الصفوف تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وإعادة تفعيل الأطر الديمقراطية داخلها عبر الانتخابات أو التوافق الوطني.

وبيّن عمران أن كل الفلسطينيين مستهدفون، مشدداً على أن الوحدة الوطنية الفلسطينية هي الخيار الوحيد في هذه المرحلة، مؤكداً أن المصالح الاستراتيجية الصهيو-أميركية لا تتأثر بالخلافات السياسية، وأن استمرار العدوان يعود للدعم الأميركي.

وأشار إلى أن جرائم الاحتلال الإسرائيلي باتت مكشوفة أمام العالم، حيث تم توثيق الإبادة الجماعية ودفن الجرحى أحياء، والتنكيل بالأسرى، وقتل أكثر من 222 صحفياً، إضافة إلى قصف مستشفيات ومدارس وكالة الأونروا التي تمولها الدول الأوروبية، ما أدى إلى ضغوط شعبية واسعة على الحكومات الغربية التي بدأت بالتحرك نتيجة لهذه الضغوط.

وأكد عمران أن دولاً مثل فرنسا وبريطانيا وأستراليا وكندا وإسبانيا وفنلندا بدأت تطالب بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذا التوجه سيتعزز من خلال المؤتمر الدولي المزمع عقده في الأمم المتحدة في نيويورك، معتبراً أن ذلك يشكل قفزة نوعية في دعم القضية الفلسطينية.

وأفاد بأن هذه الخطوات تُتوّج جهود القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها الرئيس أبو مازن، الذي سعى لتحقيق الاستقرار الداخلي ووحدة الصف الفلسطيني، وواصل العمل الدبلوماسي منذ 2012 نحو الحصول على اعتراف دولي واسع بدولة فلسطين، معتبراً أن الالتزام الفلسطيني بقرارات الشرعية الدولية هو الركيزة الأساسية التي تدفع هذه الاعترافات.

وأشار الخطيب إلى أن العمليات العسكرية والاقتحامات التي تشهدها الضفة الغربية تأتي في إطار خطة إسرائيلية لإلغاء موضوع الدولة الفلسطينية، وإلغاء اتفاق أوسلو عمليًا دون إعلان رسمي.

وتطرّق الخطيب إلى التضييقات الإسرائيلية على عمل السلطة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الاحتلال يسعى لمنع شرعنة الوجود السياسي الفلسطيني، مؤكدًا أن الاحتلال كان يخطط لتحويل السلطة إلى مجرد حكومة محلية بدون صلاحيات حقيقية، إلا أن الأداء السياسي الفلسطيني، بقيادة الراحل ياسر عرفات والرئيس محمود عباس، غيّر هذه المعادلة، وحقق إنجازات دبلوماسية مهمة على الصعيد الدولي.

وختم الخطيب مؤكدًا على أن الجانب الفلسطيني يواصل العمل الدبلوماسي المكثف في الأمم المتحدة، ومحكمة الجنايات الدولية، ومجلس الأمن، في محاولة لتثبيت حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، مشددًا على أن الاعتراف الدولي بدولة فلسطين هو خطوة أساسية نحو إنهاء الاحتلال.