بقلم: حاتم أبو دقة

مشاهد مصورة من نقطة توزيع مساعدات خاصة بـ"مؤسسة غزة للإغاثة الإنسانية"، الإسرائيلية الأميركية المرفوضة أمميًا، يوم أمس، في رفح جنوب قطاع غزة، أثارت موجة غضب واسعة، في طريقة التوزيع، وامتهان كرامة المواطنين، واستهدافهم بعشوائية وهمجية.

هذه المؤسسة التي تأسست في شباط/فبراير الماضي، قد تعرضت لانتقادات شديدة من الأمم المتحدة، التي قال مسؤولوها، إن خطط توزيع المساعدات التي وضعتها المؤسسة لن تؤدي إلا إلى تأجيج الترحيل القسري للفلسطينيين، والمزيد من العنف.

فقد اعتبر المتحدث باسم الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ينس لايركه عمل هذه المؤسسة: "ما هو إلا تشتيت للانتباه إلى ما هو مطلوب، مثل: فتح المعابر".

فيما وصف متحدث الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، الصور التي تُظهر اقتحام مواطنين جائعين لإحدى النقاط الإسرائيلية المستحدثة لتوزيع المساعدات في غزة بالقول: "أقل ما يقال عنها إنها مفجعة".

قال مدير وكالة "الأونروا" فيليب لازاريني: "نظام توزيع المساعدات المدعوم أميركيًا في غزة هدر للموارد، وإلهاء عن الفظائع".

ونوه إلى أن حصر توزيع المساعدات في ثلاثة نقاط أو 4 يجبر سكان غزة على النزوح، في حين كانت الوكالة توزع من خلال 400 نقطة، ومعظم المناطق تخضع لأوامر الإخلاء العسكري، ما يجعل سكان غزة محصورين في منطقة صغيرة.

وقال المتحدث باسم حركة "فتح" منذر الحايك: "نرفض أن توزع أي شركة غير وكالة "الأونروا" المساعدات الإنسانية على المواطنين".

وعزا الحايك، حالات التدافع التي حدثت أمس إلى حالة التجويع التي وصلت إلى الحد الأقصى في القطاع، بعد إغلاق المعابر كافة منذ الثاني من آذار/مارس الماضي.

وتابع: "المشهد في القطاع خطير، والحكومة الإسرائيلية تعمل على حسم الصراع في كل الملفات، وتسعى إلى شطب "الأونروا"، التي هي بالأساس مرتبط وجودها بحق العودة".

ولفت إلى أن المطلوب من أبناء شعبنا إدراك خطورة الموقف، وأن تفكر حركة "حماس" جديًا في الواقع المؤلم الذي يعيشه المواطنون في القطاع، وألا يعبثوا بالوقت، ولا يستخدموه في الحصول على أي شيء بالمفاوضات، التي لا قيمة لها في ظل نزيف الدم الفلسطيني.

واستدرك قائلاً: "بمعنى آخر، "حماس" تفاوض على أمور لن يكون لها أي أثر إيجابي في المستقبل، ولا تفاوض على أمور، مثل: الدولة، أو الحدود، أو حق العودة، وتقرير المصير.

وتابع: "نريد وقف الحرب، ولكن استخدام الوقت بهذه الطريقة، والتسويف، سيكون لهما تداعيات خطيرة على المشروع الوطني، نتنياهو يريد تهجير شعبنا من خلال استخدام كل أدوات الحرب".

ودعا حركة "حماس" إلى عدم اتخاذ قراراتها بناءً على التحليلات السياسية عبر القنوات الفضائية، مطالبًا بأن تتخذ موقفًا وطنيًا بالقبول بالخطة العربية الإسلامية على الأرض، وتولي السلطة الوطنية الفلسطينية زمام الأمور في قطاع غزة، لسد كل الثغرات أمام نتنياهو.

وبتجويع متعمد يمهد لتهجير قسري، وفق الأمم المتحدة، دفعت سلطات الاحتلال 2.4 مليون فلسطيني إلى المجاعة، بإغلاقها معابر قطاع غزة منذ 2 آذار/مارس الماضي، في وجه المساعدات الإنسانية، ولا سيما الغذاء، ما فاقم الأوضاع الإنسانية بشكل غير مسبوق، فازدادت الوفيات بين الأطفال وكبار السن، ولسان حال الجميع يقول: لن نرحل.

فمخطط الاحتلال لتهجير المواطنين تحت وطأة المجاعة، قد أثبت فشله، بعد أن اقتحمت هذه الحشود اليائسة مركز توزيع المساعدات.

يعبر النازح من رفح محمد أبو شلوف (60 عامًا) يعبر عن حزنه الشديد لعودته خاوي اليدين إلى أطفاله الذين كانوا ينتظرونه على أحر من الجمر ليعود إليهم ولو ببعض الدقيق، الذي لم يدخل خيمتهم منذ أكثر من شهر ونصف شهر.

ويقول: "هذه الآلية تُعرّض حياة النازحين للخطر، في ظل حشرهم في حلابات ضيقة لا تتناسب مع الأعداد المتزايدة".

فيما نجا النازح من منطقة معن في جنوب بلدة بني سهيلا شرق مدينة خان يونس أبو محمد أبو خاطر (57 عامًا) بأعجوبة، جراء تدافع النازحين على البوابة التي تتبع الحلابات بشكل مباشر.

ويشير إلى أن غياب آلية واضحة أدى إلى فشل عملية التوزيع، فقد فوجئ بآلاف الأطفال والنساء عكس الآلية التي كانت تعمل بها وكالة الغوث وبرنامج الغذاء العالمي على البطاقة الشخصية، حسب عدد أفراد الأسرة.

وأكد أن الحاجة والنقص الحاد في المواد الغذائية بأصنافها، وخاصة الدقيق، هما اللذان أجبرا النازحين على تحمل المشقة، والمخاطر التي قد يتعرضون لها من الاحتلال.

أما أم محمد ماضي (55 عاما) النازحة في جامعة الأقصى، فأكدت أنها رغم حاجتها لن تذهب إلى نقطة التوزيع مرة أخرى، لما تعرضت له من مشقة، نتيجة التزاحم والفوضى العارمَين.

وقبل يومين، قدم المدير التنفيذي لمؤسسة "إغاثة غزة" جيك وود استقالته، "لعدم التزام المؤسسة بمبادئ الإنسانية والنزاهة والحيادية".

وكانت السلطات السويسرية قد صرحت مؤخرا، أنها تبحث ما إذا كانت ستفتح تحقيقًا قانونيًا في أنشطة مؤسسة إغاثة غزة، وهي منظمة مدعومة من الولايات المتحدة وتعتزم الإشراف على توزيع المساعدات في القطاع الفلسطيني.

وتأتي هذه الخطوة بعد أن قدمت منظمة سويسرية غير حكومية طلبًا للتحقيق في خطة مؤسسة إغاثة غزة لتوزيع المساعدات، التي عارضتها الأمم المتحدة، قائلة إنها ليست نزيهة أو محايدة وستؤدي إلى المزيد من النزوح وتعريض الآلاف من الناس للأذى.