فيما جرت تظاهرة الأعلام الاستيطانية فائقة العنصرية والفوقية اليهودية التي تكرس رؤية حكومة الاحتلال في القدس أول أمس، وارتكاب المزيد من المجازر في غزة. تجري خلف الكواليس هذه الأيام مفاوضات غير معلنة بين الولايات المتحدة وحركة حماس، برعاية مصرية وقطرية، بناءً على ورقة يُقال إنها صيغت من قبل الباحث الفلسطيني بشارة بحبح بحسب مصادر إعلامية بالتنسيق مع المبعوث الأميركي ويتكوف. تأتي هذه التطورات التي تضاربت حولها الأنباء في ظل استمرار المحرقة الإسرائيلية على غزة والتطهير العرقي والتدمير لمخيمات الضفة الغربية، وتعثر المسار السياسي الفلسطيني كما ومسار السابع من أكتوبر رغم حق وشرعية المقاومة، بسبب الحسابات الخاطئة وعدم إدراك جوهر الحركة الصهيونية ومشروعها التي لن تقبل أي مسار سياسي يحقق تقرير المصير والحرية لشعبنا، وتآكل الثقة الشعبية بسياسات الانتظار والصمت وبكل من الواقع الرسمي العربي والدولي.

لكن قراءة هذه التحركات تتطلب وعياً سياسياً يتجاوز العناوين الإعلامية، فالموضوع ليس مجرد محاولة لإنهاء الحرب أو البحث عن ترتيبات إنسانية، بل يتعلق بجوهر المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، بل وبمستقبل القضية الفلسطينية برمتها.

المفاوضات الجارية ليست اعترافاً سياسياً بحماس أو تغييراً في الموقف الأميركي التقليدي، بل محاولة لتوظيف حماس من خلال حركة الإخوان المسلمين الدولية ضمن ترتيبات وظيفية لضبط الوضع في غزة بعد الحرب، وفق التجربة السابقة خلال ما سمي بمشروع الربيع العربي لهدم الدولة الوطنية على طريق تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يجري استكمال تنفيذه اليوم بوقائع جديدة. وبما يطرح من جهة أخرى على المستوى الفلسطيني بسيناريو يشبه "الحكم الذاتي الإداري"، عبر تهدئة طويلة الأمد، وإدارة محلية مدعومة بتمويل خارجي، دون أي التزام بحل سياسي شامل أو بإنهاء الاحتلال.

هذه الترتيبات تسعى لتحويل غزة إلى كيان منفصل يُدار أمنياً واقتصادياً، بينما يُواصل الاحتلال مشروعه الاستيطاني والتهويدي في الضفة والقدس وتكريس واقع المعازل الجغرافية "البانتوستونات" التي قد تحظى بشكلٍّ من الإدارة الذاتية الموسعة، مع الإبقاء على سيطرة الاحتلال الأمنية على الأرض وعلى المصادر والحدود والهواء، كما على الانقسام كأداة لاستمرار ضرب الوحدة الفلسطينية.

الورقة المنسوبة لبشارة بحبح، والتي يُقال إنها تُناقش حالياً في هذه المفاوضات، تطرح خطوطاً تتوافق مع هذه الرؤية المتمثلة في تهدئة طويلة، ودور أمني غير مباشر، وربما لاحقًا ترتيبات انتخابية محلية. لكنها باعتقادي، فهي في الجوهر تُخرج غزة من الإطار الوطني الفلسطيني، وتُعيد إنتاج الانقسام تحت مظلة دولية وعربية.

هذه ليست مبادرة وطنية، بل إعادة تدوير لفكرة "التحييد مقابل التمويل"، وإدماج "حماس" في نظام إقليمي دولي يضمن أمن إسرائيل، شبيه بما تسعى له واشنطن وحلفاؤها بالضفة الغربية من خلال "التدجين السياسي" بواسطة المال والتطبيع والتهديدات للسلطة الوطنية، بما يمتص غضب الشارع العربي دون أن يحقق الحد الأدنى من الحقوق الوطنية لشعبنا الفلسطيني.

الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض القوى الإقليمية يعملون على فرض وقائع جديدة على الأرض تحت شعار "إعادة الإعمار"، لكن الهدف الحقيقي هو إنهاء الطابع التحرري للقضية الوطنية الفلسطينية، وتحويلها إلى ملف إنساني أمني اقتصادي يمكن التحكم فيه، بعيداً عن أي مسار يؤدي لإنهاء الاحتلال الاستيطاني أو تحقيق الحقوق الوطنية السياسية لشعبنا الفلسطيني.

هذه التحركات تجري في ظل تغييب منظمة التحرير الفلسطينية التي جرى استهداف دورها وتراثها منذ البدايات، ومحاصرة وتراجع دور السلطة الوطنية، وتفكك البيت الفلسطيني بفعل الانقسام وأزمة نظامنا السياسي وغياب استراتيجية وطنية موحدة تعتمد على مقدرات شعبنا كمصدر للسلطات وغياب برنامج واضح في ظل سياسات ردود الأفعال، والانخراط في سياسات المواقف العربية الرسمية التي لا تمتلك الإرادة في مواجهة رؤية ترامب، بل قد دفعت له ثمن حمايتها وبقائها.

- أمام هذه المخاطر لا بد من تحرك وطني شامل يقوم على المحاور التالية:

1. إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية فعلاً لا قولاً على أسس ديمقراطية وتمثيلية شفافة، تضم كل فئات شعبنا السياسية والأهلية والمستقلين، وتستعيد دورها كمرجعية وطنية شاملة وكممثل شرعي وحيد وكأداة للتحرر الوطني الديمقراطي، بما يتطلب لهذا الغرض استنهاض حركة "فتح" واستعادة دورها باعتبارها عمود الحركة الوطنية الفلسطينية إلى جانب باقي الفصائل والقوى والمستقلين الوطنيين على أساس فكرة وجودها.

2. رفض أي حلول تُكرس الانقسام أو تُحوّل غزة إلى كيان منفصل أو الضفة الغربية إلى معازل بوجود المستوطنات.

3. تطوير استراتيجية مقاومة شاملة، سياسية وقانونية وشعبية تُعيد الاعتبار للحقوق الوطنية ولمكانة قضيتنا التحررية أمام العالم، وتبني على تصاعد التضامن الدولي الشعبي الذي بات يُحرج حكومات الغرب ويساهم في عزل إسرائيل على الساحة العالمية إضافة لما تعانيه من أزمة بنيوية داخلية اليوم.

4. إصلاح دور ومكانة منظمة التحرير وتطوير بناءها كجبهة وطنية عريضة تستند إلى وحدة الشعب والأرض والقضية، وتواجه محاولات تحويل النضال الفلسطيني إلى ورقة تفاوض إقليمية بين العواصم.

إن ما يُطرح اليوم من خلال هذه المفاوضات المعلن عنها في غياب مفاوضات سياسية حول مجمل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يتوجب أن يفضي إلى إنهاء الاحتلال عن كل الأراضي المحتلة أولاً، ليس حلاً بل فخاً سياسياً لتصفية القضية الفلسطينية تدريجياً يشابه بالمعنى إلى حد ما تداعيات اتفاق "أوسلو" الذي دفنته إسرائيل وأوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، وهو ما يعتقد أنه سيجري تحت ستار التهدئة والمساعدات "الإنسانية" التي تتكشف آلياتها اليوم.

وإذا لم تنهض القوى الوطنية والديمقراطية بمسؤولياتها ليس على المستوى الفلسطيني فقط، فقد نجد أنفسنا قريبًا أمام واقع فلسطيني جديد تُفصل فيه غزة عن الضفة، وتُختزل فيه القضية إلى إدارة شؤون حياتية لا علاقة لها بالتحرر الوطني الديمقراطي والكرامة ولا بتجسيد مبدأ حق تقرير المصير وهزيمة المشروع الاستيطاني الاستعماري في فلسطين الذي يراد له التمدد في المنطقة من خلال الدور المهيمن لإسرائيل بغض النظر عن خلافات تجري بين نتنياهو وترامب، الذي يسعى لتحقيق "الصفقة الكبرى" خاصة بعد جولته الأخيرة لتدفيع الثمن والأدوار المتوقعة للأطراف التي شملتها الزيارة.