في حَضْرَةِ الجُرْحِ الفِلَسْطِينِيّ، حَيْثُ لا صَوْتَ يَعْلُو فَوْقَ صَرْخَةِ الْأَرْضِ، وَلَا شَيْءَ أَشَدُّ بَلَاغَةً مِنَ الدَّمِ حِينَ يُطَالِبُ بِالْحَيَاةِ ...
نَكْتُبُ، لَا بُكَاءً عَلَى وَطَنٍ، بَلْ وَلَاءً لَهُ، وَنِدَاءً نَحْوَ خَلَاصِهِ ..!
وَطَنِيَ الْمَصْلُوبَ عَلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ ..!
أَتْعَبَنِي عِشْقُكَ، يَا وَطَنِي...
فَالْعِشْقُ فِيكَ ...
جَمْرٌ يُقِيمُ فِي الصَّدْرِ، ..
وَيَأْبَى أَنْ يَصِيرَ رَمَادًا ...
***
أَتْعَبَنِي وَجَعُكَ الْمُتَجَذِّرُ...
مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ رَحِمِ التُّرَابِ، ...
وَالدَّمُ يَخُطُّ نَشِيدِي عَلَى جُدْرَانٍ...
تَتَدَاعَى مَعَ كُلِّ فَجْرٍ...!
***
أَتْعَبَنِي تُجَّارُ الدَّمِ وَالدِّينِ...
يَحْمِلُونَ آيَاتٍ مُمَزَّقَةً، ...
وَأَلْسِنَةً تَقْطُرُ وُعُودًا كَاذِبَةً، ...
يُبَشِّرُونَ بِفَجْرٍ لَا يَأْتِي، ...
وَيُغْرِقُونَنَا فِي مَسَاءٍ لَا يَنْتَهِي...!
***
أَتْعَبَنِي الْجُهَلَاءُ...
يَبْنُونَ مِنَ الْوَهْمِ دَوْلَةً، ...
وَمِنَ الْخَوْفِ مَنَارَةً، ...
وَيَهْتِفُونَ:
"هُوَ الْحَقُّ....!"
فَيَقْتُلُونَ بِهِ الْحَيَاةَ...!
***
آنَ لِهَذَا النَّزِيفِ أَنْ يَتَوَقَّفَ، ...
آنَ لِنَبْضِكَ أَنْ يُشْفَى، يَا وَطَنِي...
أَنْ تُرَمَّمَ شَرَايِينُكَ بِضَحِكَةِ طِفْلٍ، ...
لَا بِسَوْطِ جَلَّادٍ، ...
وَأَنْ يُكْتَبَ اسْمُكَ
بِالنَّدَى...
لَا بِالْخَسَائِرِ....
***
وَطَنِي...
يَا وَاقِفًا عَلَى حَافَّةِ الْقِيَامَةِ، ...
مَتَى تَنْبُتُ فِيكَ سَنَابِلُ
لَا تُسْقَى بِالدَّمِ...؟!
مَتَى تَصْحُو مُدُنُكَ
وَلَا تَسْمَعُ تَرْتِيلَةَ جَنَازَةٍ...؟!
مَتَى يَعُودُ الْغَائِبُ
إِلَى بَيْتٍ...
لَا إِلَى قَبْرٍ ...؟!
***
فِيكَ أَمَلٌ يُشْبِهُ رَغِيفًا ...
نَجَا مِنْ لَهِيبِ الطَّائِرَاتِ، ...
ضِحْكَةَ طِفْلَةٍ
نَجَتْ مِنْ فُوَّهَةِ الْبُنْدُقِيَّةِ، ....
أَمَلًا يُشْبِهُ أُمًّا
تَحِيكُ وِشَاحَ الْعَوْدَةِ ...
لِمَنْ لَمْ يَعُدْ...
***
آنَ لَكَ أَنْ تَنَامَ، ...
لَا عَلَى سَرِيرِ الْخَوْفِ، ...
بَلْ عَلَى وِسَادَةِ السَّلَامِ، ...
أَنْ تَفْتَحَ عَيْنَيْكَ ...
عَلَى فَجْرٍ لَا يَنْزِفُ، ...
وَأَنْ تُغَنِّيَ — لَا مَرَاثِي —
بَلْ نَشِيدًا مِنْ يَاسَمِينٍ...
***
كَفَى، يَا وَطَنِي...
كَفَى نَزْفًا فِي الشَّوَارِعِ والحاراتِ ...
كَفَى تَوَابِيتَ تَمْشِي قَبْلَ الْأَعْيَادِ ...
كَفَى أُمَّهَاتٍ ...
يُخْفِينَ وُجُوهَهُنَّ فِي السَّوَادِ...
***
اِنْهَضْ، يا وطنيِ...
فَمِنْكَ تَبْدَأُ الْقِيَامَةُ، ..
وَفِيكَ يُولَدُ الضَّوْءُ مِنَ الرَّمَادِ...
لَا تَنْتَظِرْ مَنْ لَا يَرَوْنَكَ، ...
وَلَا تُبَايِعْ مَنْ يَبِيعُونَكَ، ...
بَلْ عُدْ إِلَيْنَا كَمَا نُحِبُّكَ:
حُرًّا،
جَمِيلًا،
وَعَصِيًّا عَلَى الانْكِسَارِ...!