لم يكن العمل المسلح الفلسطيني السبب في الحرب التي أعلنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني، فالكفاح والنضال العسكري أحد أوجه المقاومة الفلسطينية الممتدة إلى يومنا هذا، ووجود مسلحين لا يربك دولة الكيان الإسرائيلي، الخطر الحقيقي الذي يشغل بال الاحتلال يأتي من صمود المخيم كل هذه السنوات التي مضت بعد النكبة، ويأتي من جدران المخيم المتشققة، ومن ذاكرة اللاجئين التي لم تمت، رغم كل محاولات الطمس، ومن الأجيال التي توارثت معنى المخيم في انتظار العودة إلى الديار. ردات الفعل على المقاومة المسلحة تأتي بأشكال مختلفة ما بين التصفيات أو الاقتحامات التي صعدت من وتيرتها مع وجود اليمين الإسرائيلي، وما تلبث أن تنتهي. إسرائيل يمكن لها أن تغتال أي من المقاومين، لكنها لا تستطيع اغتيال فكرة، فالمخيم أصبح فكرة وعنوانًا للعودة، وكذلك فلسطين لم تعد بلدًا فقط، بل أصبحت فكرة لا يمكن تقليصها في وجدان الشعب الفلسطيني.

الإسرائيليون لديهم استراتيجيات وخطط عمل يختارون الوقت المناسب لتنفيذها. القرار الإسرائيلي في الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر ليس وليد اللحظة بعد الهجوم، إنما كان موجودًا في ردهات السياسة الإسرائيلية، والهجوم العسكري على غزة كان ذريعة فقط، لتنفيذ أحد المخططات على طريق تصفية القضية الفلسطينية، التي أعد لها في أروقة السياسة الإسرائيلية منذ زمن بعيد، وبدء تنفيذها في السابع من تشرين الأول عام ألفين وثلاثة وعشرين.

ولعل أهم أهداف الحرب التي تشنها على المخيمات هو كي الوعي الفلسطيني بخصوص الرواية الفلسطينية في اللجوء. فالفلسطيني يعتبر المخيم موضوع مقدس في ذاته لأنه عنوان للقضية الفلسطينية، وكل فرد في المخيم يحتفظ في مفتاح بيته من أجل حلم العودة. ما تعمل إسرائيل عليه اليوم، في حربها على المخيمات هو  محاولة ممنهجة لتفكيك النسيج المجتمعي للمخيمات ومحو رمزيتها التاريخية، وذلك من خلال تغيير المعالم الديموغرافية التي بدأت في كل من مدينتي طولكرم وجنين، من خلال إعادة هندسة المخيم ليتوافق مع التوجه الإسرائيلي الجديد، وخدمة لأغراضها العسكرية، فأحدثت شوارع طولية وعرضية عديدة في تلك المخيمات وعملت على أن تكون جزءً لا يتجزء من المدن الفلسطينية، وألغت مفهوم وشكل المخيم القديم.

المخيمات الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد تجمعات سكانية بل شاهدًا على النكبة الفلسطنية سنة 1948. لذا فإن الحرب تعمل بتسارع كبير من أجل طمس الرواية الفلسطينية، وإلغاء الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، من خلال تغيير معالم المخيم وثقافة المجتمع.

ربما تكون إسرائيل قادرة على تحقيق إنجازات ظرفية لكنها فشلت وستفشل في تحطيم الجوهر الرمزي والسياسي للمخيم. بالعكس، هي عمّقت هذا المعنى أكثر، وجعلت من المخيمات شعلة صمود متجددة. المخيم الصامد بحد ذاته، هو قصة ثباتٍ وتحدٍّ تفضح الرواية الإسرائيلية وتُجذّر الرواية الفلسطينية.