السياسة الإسرائيلية في استهداف المدنيين الفلسطينيين هي وجه من وجوه الحرب التي تُشن على شعبنا الأعزل عسكريًا وسياسيًا  واقتصاديًا، وفرض الجوع والعطش والمرض لتحقيق أهداف إسرائيل في عموم فلسطين. وهي القائمة على حصار قطاع غزة في منع دخول أي من المواد الغذائية والدوائية، وإبقاء مليوني إنسان يتضورون جوعًا وعطشًا ومرضا، دون أن يهتز للإتلاف الحاكم في إسرائيل جفن. الضغط على السكان عبر حرمانهم من أبسط مقومات الحياة، يهدف إلى كسر الإرادة الجماعية في الصبر والصمود، ودفع المجتمع المدني للانكسار  أو للقبول بتسويات تُفرض من موقع القوة. 

ومن خلال الضغط الدولي للاستجابة للنداءات الإنسانية التي أشارت إلى أن الوضع في غزة وصل إلى مستويات لم يعد الغزيون يتحملون أعباءها، فقد أرهقتنا دهاليز السياسة الإسرائيلية بحسابات ليست من الحسابات البشرية في عمليات الإنقاذ التي يتم تنفيذها عند إجراء تلك العمليات الإنسانية. الحسابات التي أرهقت الوسطاء، والساعين لوقف هذه المجزرة الإنسانية، وهؤلاء الذين يتهربون من أن يلحق بهم عار فرض الحصار، والتجويع حتى الموت، أو حتى القضاء الدولي الذي يريد من حكومة اليمين الإسرائيلية أن يتم تخفيف الحصار، وإدخال المساعدات الإنسانية.

في تاريخ الأدب الانجليزي وصف الكاتب والأديب وليم شكسبير في رائعته الأدبية تاجر البندقية الانتقام الذي  لا يخلو من مغازٍ ومعانٍ سياسية، وهي عقدة الرواية التي وصفت حالة الجشع ومحاولة السيطرة في البيئة لهؤلاء الشجعين والمرضى النفسيين الذين يسعون للوصول إلى مآربهم وقسوة قلوبهم التي لا تعرف الرحمة حين تلوح لهم فرصة الانتقام. الشجع، والطمع، والاصرار من خلال النفوس المريضة في شخصية "شيلوك".  وهكذا هو الأمر في الانتقام عندما حانت الفرصة في غزة فقد تحدث الاحتلال عن حسابات لاحتياجات كل شخص من الطعام والشراب في عدد الكيلوات من السعرات الحرارية، وهذه الطريقة لا يقوم الحساب بها إلا للمساجين والمجرمين عند إطعامهم.

ليست السياسة التي تقوم على تجويع الغزيين ومنع الدواء عنهم مجرد انعكاس لحالة حرب، بل هي سياسة لها أهداف ومضامين تتجاوز الميدان العسكري إلى المجال الرمزي والسياسي. فحين يُمنع الغذاء والدواء عن أكثر من مليوني إنسان، لا يمكن قراءة ذلك في سياق الإجراءات الأمنية أو الردود العسكرية، بل في إطار أوسع، حيث يتحول الجسد الفلسطيني إلى ساحة حرب، ويصبح الجوع أداة للترويض والتفكيك.

إسرائيل تحاول أن تفرض سياستها من خلال التجويع وإظهار غزة أنها عاجزة عن كونها جزء من كيان سياسي للشعب الفلسطيني لا يخلو من البعد الذي تريد أن تستثمره إسرائيل في خطابها الموجه للعالم، حين تصوّر غزة كيان فاشل لا يستحق السيادة أو الاعتراف، ولهذا السبب عمدت إسرائيل إلى تعزيز الانقسام الفلسطيني ومولت هذا الانقسام من خلال المنحة القطرية. 

وهي أيضًا جزء من الدمار الشامل الذي أصاب قطاع غزة فهي تهدف إلى خلق واقع سياسي بيئي جديد غير قابل للحياة فيها من خلال تلك السياسة من أجل فرض تهجير قسري لتقليص البُعد الديموغرافي الفلسطيني الذي يشكل تهديدًا للديموغرافيًا الإسرائيلية.

هكذا هو حال الحكومة الإسرائيلية كما هو حال بني إسرائيل في اختيار البقرة التي أمروا بذبحها، في الجدل الذي قد لا ينتهي وقد بلغ السيل الزبا، وحلت الكوارث التي لا يحمد عقباها، موت من الجوع هو ما يهدد الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى في غزة الآن.