ثمة حاجة قبل كل شيء، أن يتم التأكيد بخصوص مسألة مهمة وهي، أنه مهما كانت التسريبات حول إيجاد حلول للوضع المرير في قطاع غزة سيئة وتمس بأبعاد استراتيجية على صعيد مستقبل القضية الفلسطينية، فإنه من المهم اليوم أن تتوقف آلة الحرب الإسرائيلية المتوحشة، وأن تدخل المساعدات، لأن استمرار الوضع كما هو علية يعني الموت أو التهجير بكل تأكيد، أو كلاهما معًا. مسألة أخرى لا بد من التحذير منها، وهي أن تقدم صيغة حل لحماس تعدها بدور في المستقبل بهدف تسليم الرهائن، وما إن يتم ذلك حتى تعود إسرائيل للحرب وتنفيذ مخططها بخصوص التهجير.
ونعود للتسريبات، والتي يتم البوح بشأنها بالتقسيط، وأحيانًا بشكل متناقض، لكن كل ما خرج منها للإعلام يشير إلى أن قطاع غزة سيكون بلا سيادة وطنية، وربما سيبقى مفصولاً عن الضفة، بإدارة منفردة ليس من الواضح كيف ستكون علاقتها مع السلطة الوطنية الفلسطينية، التي ترمز لوحدة الوطن الفلسطيني.
هذه التسريبات إذا أصبحت أمرًا واقعًا متفقًا عليه، وبموافقة حماس، فسوف يعتبر أمرًا خطيرًا، لأن حماس ستواصل سياستها بفصل القطاع عن الضفة مقابل أن يبقى لها دور حتى لو كان شكليًا، أو مقابل أن تحصل على ضمانات لحماية قيادتها.
والمشكلة هنا أن تواصل حماس بالتقاطع، بين أهدافها والأهداف الإسرائيلية في منع وجود دولة فلسطينية مستقلة تضم الضفة وقطاع غزة والقدس الشرقية. وبما يتعلق بالاتفاق النهائي بشأن قطاع غزة، فإن أي حل لا ينسق مع القيادة الفلسطينية الشرعية، فإنه لا يمكن أن يفسر سوى بأنه نسخة منقحة من المخططات الإسرائيلية التي تستهدف السيطرة على القطاع حتى ولو بطريقة غير مباشر. فالحل الوحيد المقبول هو الذي يبقي الربط بين الضفة والقطاع، وهذا لن يحصل إلا بحكم وإدارة السلطة الوطنية لكافة المناطق الفلسطينية.
فالتسريبات التي تصل إلى مسامعنا حتى الآن، هي إما أن يبقى القطاع، أو أجزاء واسعة منه، تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، أو أن تكون تل أبيب شريكًا في أي إدارة في القطاع، أو أن يصبح القطاع تحت إدارة تتحكم بها الولايات المتحدة الأميركية.
أما الخطة العربية للإعمار، فلا أحد يتحدث عنها أو ربما أن تكون هذه الخطة مؤجلة لما بعد إنهاء أزمة المحتجزين وإعادة الهدوء للقطاع.
ومهما يكن الأمر، فإن نقطة الضعف الأخطر في الوضع الفلسطيني هو حماس، هناك بالتأكيد نقاط ضعف عديدة لكنها لا تمثل تهديدًا إستراتيجيًا للقضية الفلسطينية، إنما نقطة الضعف المتعلقة بحماس، فهذه الحركة الإخوانية، تطرح نفسها بديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأن بإمكانها عقد صفقات مع إسرائيل وغير إسرائيل حتى لو كانت متناقضة تمامًا مع المصالح والأهداف الوطنية الفلسطينية، وما يهم حماس أن يتحدث معها العالم وليس مع المنظمة والقيادة الشرعية للشعب الفلسطيني.
وفي سياق رغبتها بأن تكون بديلاً، فإنها أي حماس، على استعداد أن تفرط بقضايا وطنية رئيسية، من بينها أن توافق على أن يصبح القطاع تحت إدارة غير وطنية، ويبقى منفصلاً عن الضفة.
لماذا الاستغراب وحماس لا تأبه بمعاناة أهل القطاع، ولا بأوجاعهم الإنسانية، ما يهم حماس هو أن تبقى بالصورة، والدليل أن هذا التنظيم الإخواني، يصر كما يصر نتنياهو على عدم تسليم قطاع غزة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي فإن حماس يمكن أن توافق على أي صيغة بغياب السلطة الوطنية، حتى ولو كانت الصيغة تسليم قطاع غزة لإدارة أميركية، أو إدارة متعددة الجنسيات تفرغ القطاع من مضمونه الوطني. ما هو مطلوب أن يصر الشعب الفلسطيني على محاسبة حماس ومساءلتها عن مغامرتها غير المحسوبة، والتي أوصلتنا إلى من نحن فيه من فوضى.
واليوم، وكما هو واضح للجميع، فإن حماس لم تتحدث عن المسجد الأقصى واقتحامات المستوطنين له، والذي كان أحد أهم أهداف "الطوفان". كما لا تتحدث عن الاستيطان، أو أي قضية وطنية أخرى، إنما كل ما تريده هو أن يبقى حكمها لقطاع غزة ولو على حساب الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني.
تعليقات القرّاء
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع وإنما تعبر عن رأي أصحابها