الحرب على غزة أظهرت تأثيرًا كبيرًا على دول محور دول الإقليم في الشرق الأوسط. ونتج عنه ظهور ملامح تشكيل شرق أوسط جديد بدت بوادره تتضح وترتسم معالمه في المنطقة التي يبدو أنها تأثرت بشكل واسع من الحرب. فإذا كانت الحرب تسببت في إضعاف محور ما عرف بالمحور الإيراني وسقوط النظام السوري أو ما تم التعارف عليه بمسمى محور المقاومة، فإن الحرب كشفت عن واقع كان مخفيًا لم يبدو للعيان حول الواقع في إسرائيل من الداخل، وما يمكن أن تكون عليه آثار النتائج المترتبة على ذلك بعد الحرب. لقد كشفت الحرب عن واقع إسرائيل الهش في منظومتها الاجتماعية، الأمنية، والعسكرية، والسياسية، والاقتصادية،  وبالرغم من مظاهر استعمال القوة المفرطة على قطاع غزة، وما نتج عنها من ارتقاءِ لآلاف الشهداء والجرحى في سبيل ما يسمى استعادة هيبة الدولة وتأمين قوة الردع الإسرائيلية المرتبطة بالوعي العام لشعوب المنطقة.

وجه إسرائيل الجديد أخذت ملامحه تبدو جلية وواضحة من خلال قراءة المشهد السياسي في إسرائيل حيث تواجه حكومتها أزمات وتحديات كبيرة  في الشأن العام الإسرائيلي من جوانب متعددة.

لقد كانت إسرائيل تبدو كقلعة أمنية وعسكرية كبيرة، وهالة لا يمكن الاقتراب منها، بسبب سمعة الجيش الإسرائيلي وتفوقه النوعي والكمي والتقدم في الصناعات والتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية ذات السمعة العالية، ولكن كل هذه الهالة لم تعمل عند الحاجة إليها، وهذا سببه كان الغرور العسكري والشعور بالتفوق الأمني. فقد سبب ذلك الشعور بعد الحرب في سقوط القناعة بهيبة الجيش الإسرائيلي من قبل جمهوره. وبناء عليه تصدر الموقف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي حشد كل العالم وإسرائيل للحرب تحت حجة الدفاع عن النفس، وتبين لاحقًا زيف نظريته وأنه كان يسعى للحرب بدواعي شخصية.

كشفت هذه الحرب زيف ادعاءات وخداع الحكومة الإسرائيلية والتزاماتها اتجاه شعبها، وتكرس لدى الجمهور الإسرائيلي أن رئيس الحكومة والائتلاف الحاكم يقودون حروبًا لأسباب شخصية وليس من أجل الدولة وهيبتها ووجودها، مما جعل هذه الحكومة تواجه أزمة ثقة فيها وفي سياساتها، ستترك أثرها في المستقبل المنظور ومن الممكن أن تعصف بها. هذا عن القضايا التي تتكشف يومًا بعد يوم من قضايا المحاكم الداخلية قطر غيت، والتلاعب في المعلومات، والانتكاس السياسي وقضايا أخرى خارجية، وسوء العلاقات الخارجية.

الصراعات التي تسود اليوم في المجتمع الإسرائيلي، تفجرت بشكل واسع بين مختلف الأقطاب والجهات في المجتمع الإسرائيلي وأطيافه وألوانه وشكلت أزمة ثقة، وسقوط لمثالية الهوية والديمقراطية التي ضجت بها أذان العالم وتباهت بها أمام ما تدعيه دكتاتوريات الدول المحيطة بها. قال الشارع كلمته، وحصل تمرد في الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن، وقطاعات مختلفة تنادي بوقف الحرب وتحرير المحتجزين.

لقد أظهرت الحرب وجه إسرائيل الحقيقي، وسببت الضحايا بأعداد كبيرة في وسط الأطفال والنساء والمدنيين، مما سبب لحلفائها إحراجًا كبيرًا، لا زالت شوارع الحلفاء في دول العالم تضج بها. وبسبب تلك السياسة الهمجية التي اتبعتها الحكومة الإسرائيلية التي أرادت استعادة الهيبة للدولة من خلال القتل والتدمير ، فقد أدت إلى الانكفاء السياسي في الإقليم التي أوشكت على الانفتاح والتطبيع مع الدول العربية وخاصة المملكة العربية السعودية الأمر الذي طالما حلمت به الدولة العبرية.

وجه إسرائيل الجديد القادم النابع من أزمة الثقة التي سببتها مخرجات هذه الحرب في مكونات العلاقات المتعددة الوجوه والرؤوس داخل إسرائيل. كما أن الانقسامات الداخلية الواسعة، التي تتصاعد وتتفاقم بين الحكومة والمجتمع الإسرائيلي الذي بات يدرك أن سياسات الحكومة تقوم على المصالح الشخصية لرئيس الحكومة والأعضاء وليس من أجل دولة إسرائيل. وبناء عليه فإن إسرائيل من خلال منظومتها في الدولة العميقة وقيادات المجتمع المدني الإسرائيلي اليوم تعمل بكل طاقاتها ومكوناتها احتواء تلك القضايا والأزمات التي سببت الانكماش السياسي بدل الذي كانت تسعى إليه دومًا من فرض السطوة والهيمنة في الإقليم.

تدخل الدولة العميقة في إسرائيل على ما يبدو  في إمكانية منح نتنياهو العفو العام مقابل الاعتراف بالذنب وإنهاء دوره السياسي، هو أحد أوجه الحل في إنهاء دور الائتلاف اليميني الحاكم، بحيث يقود هذا إلى نوع من الانفراج السياسي الداخلي في منطقة الشرق الأوسط وسط ضغوط شعبية في سبيل إنهاء الأزمات التي تواجهها إسرائيل، مع الانتخابات القادمة، وهذا قد  يقود إلى انفراج في الملف الفلسطيني، وبداية لإمكانية تبلور الكيان الفلسطيني الذي طال انتظاره. وفي حالة تعقد المشهد واستمرار نتنياهو بالاضطلاع في دور سياسي ويحمل ذات التوجه والسياسات مع اعتقادي أن نتنياهو متلون ويعمل وفق البيئة الحاضنة في كل مرحلة، فذلك يعني أن هذا هو بداية للانهيار الداخلي في إسرائيل بسبب تفاقم الصراعات، وهو الأمر الذي يفقد إسرائيل ثقة الحلفاء بها وبالتالي التخلي عن دورها الإقليمي المناط بها في الشرق الأوسط، وهو ما يعقد المشهد العام في الشرق الأوسط وسط تفاعلات وتحالفات إقليمية جديدة.
وفي اعتقادي أن التغير في إسرائيل قادم مع نهاية تلك الحرب التي أوجعت قلوبنا جميعًا بوجهٍ جديد ورؤيا جديدة وتحسن من جودة المناخات السياسية، وخلق فهم جديد في المجتمع الإسرائيلي.