تقرير: ميساء عمر

الحاجة الستينية مريم محمد يونس من قرية بيت أمين جنوب قلقيلية، استيقظت في السادسة صباحا، كما اعتادت، ولم تكن تعلم أن يومها سيكون مختلفا.

قطعت "أم علاء" ثلاث كيلومترات مشيًا على الأقدام من قريتها الى قرية عزون عتمة المجاورة، حاملة معها "عدة الأرض"، متوجهة إلى أرضها المعزولة خلف جدار الفصل العنصري، قبل أن يمنعها جنود الاحتلال من عبور البوابة الزراعية بحجة أنتهاء سريان "تصريح" الدخول.

سلب الاحتلال، بإقامته لجدار الفصل العنصري عام 2002 مساحات شاسعة من أراضي المزارعين جنوب محافظة قلقيلية، ومنعهم من الوصول إليها إلا من خلال تصاريح زراعية خاصة، تصدر فقط لمن يُثبت ملكيته للأرض خلف الجدار وللاقارب من الدرجة الأولى.

على هذا النحو، واصل المزارعون عنايتهم بأراضيهم ورعايتها متحدّين العقبات التي تواجههم بفعل البوابات واقامة الجدار، غير أن نهجا جديدا بدأ الاحتلال باتباعه لتضييق الخناق عليهم أكثر فأكثر تمهيدا للاستيلاء على أراضيهم وسلبها، وذلك بسحب تصاريحهم وتجميد العمل بها دون مبرر، بحسب ما أفادت الجهات المتخصصة.

وقالت الحاجة يونس: "عشرون عاما من المعاناة في الوصول إلى أرضي المزروعة بالحمضيات والخضروات.. ننتظر طويلا حتى تفتح البوابة في السابعة صباحا، ونضطر للبقاء خلف الجدار حتى الساعة الثالثة عصرا وهو موعد فتحها مرة أخرى، نتحمل تقلبات الطقس من حر وبرد".

وأضافت: "لا يُسمح لنا بإحضار عدة الأرض كيفما نشاء بل نحتاج الى تنسيق مسبق ان اردنا ادخال مستلزمات للأرض من أدوات قطف وحرث وغيرها، وبشكل شبه يومي نتعرض للتفتيش والتدقيق في هوياتنا واحتجازنا، وكل ذلك كان يهون علينا طالما نحافظ على أرضنا ونفلحها".

وتؤكد الستينية مريم يونس، أن الاحتلال بأفعاله وممارساته يريد أن ينتزع "تاريخنا وارضنا التي ورثناها عن آبائنا، فهي ليست مجرد مصدر رزق فقط بل هي تاريخ نحاول الحفاظ عليه لإثبات احقيتنا فيها".

ويشير مزارعون، في هذا المجال، الى ان هذا الأمر (سحب التصاريح ووقفها) سيتسبب بخسائر زراعية فادحة، فالمزروعات من كوسا وباذنجان ونعنع وميرمية لا تحتمل عدم ريها ورعايتها في ظل درجات الحرارة العالية، فهي بحاجة الى قطف وري ورش شبه يومي.

"ام علاء" واحدة من بين عشرات المزارعين من قرى جنوب قلقيلية "بيت امين، عزون عتمة، وسنيريا" الذين استفاقوا صباح اليوم، وقد وجدوا تصاريحهم الزراعية قد تم تجميد العمل بها، فالمزارع شاهر أحمد (54 عاما)، وأبناؤه الأربعة المتزوجون أصبحوا اليوم عاطلين عن العمل بعدما كان عملهم بالأراضي الزراعية خلف الجدار مصدر رزقهم الوحيد.

واما المواطن علي الشيخ (44 عاما) من قرية سنيريا ويملك ثلاثة دونمات مزروعة بالجوافة محاصرة خلف الجدار، يرى ان الاحتلال تعمد تجميد التصاريح في هذا الوقت من العام بالتزامن مع قطاف بعض الفواكه والثمار الموسمية كالجوافة والزيتون.

وقال: "فاكهة الجوافة يجب قطفها يوميا ولا يمكن ان تؤجل، حيث ان ثمارها تنضج بسرعة وتتلف، والاحتلال تعمد ذلك خاصة اننا كنا يوميا نقوم بالتنسيق ليتم تحميل بضائعنا وتسويقها".

وأوضح ممثل المزارعين بالمنطقة محمد سعيد عمر، إن الاحتلال ينتهج سياسة ارهاق المزارع الفلسطيني ومنعه من الوصول الى ارضه، فقد أحاط القرى الثلاثة المذكورة اعلاه بجدار وأقام بوابتين زراعيتين على اراضيها، وجرف ما يقارب 500 دونم من اراضي المزارعين لصالح اقامة الجدار، فيما احتجز خلف هذا الجدار ما يقارب 5000 دونم أقام عليها مستوطنات، وبقي للمزارعين نحو 2500 دونم صالحة للزراعة.

وتقدر عدد التصاريح التي تم اصدارها للدخول عبر البوابتين بـ600 تصريح زراعي لنحو 150 عائلة مستفيدة.

وناشد عمر، الجهات المتخصصة التحرك والضغط باتجاه ايجاد حل لهذه المعضلة، حيث ان المزارعين يصارعون البقاء اليوم بفعل هذه الممارسات، وحرمانهم من الوصول الى أراضيهم.

مسؤول ملف الاستيطان بمحافظة قلقيلية محمد ابو الشيخ، أشار بهذا الخصوص، الى أنه يجري التواصل مع الجهات المختصة لإيجاد حل سريع وعاجل حتى يتمكن المزارعون من الوصول لأراضيهم والعناية بها وقطف ثمار اشجارهم.

وقال: "لم يقتصر الأمر على التصاريح، فقد أصدر الاحتلال الاسبوع المنصرم مخططين استيطانيين لصالح توسعة مستوطنة (اورانيت) الجاثمة على اراضي قريتي سنيريا وعزون عتمة، وبالتالي هذان المخططان سيتبعهما تجريف لأراض وأشجار بالمنطقة."