لم يأخُذ حقّه، كما استحق"، وشوشات تناقلها أصدقاء ومحِبُّو الشاعر حنّا أبو حنّا، مطلع الشهر الحالي، حينَ تمّ تكريمه، مِن قِبَل جمعية الثقافة العربية، فأعادت بعضًا مِن روحه الأدبية، وصوتًا خافقًا في الشِعرِ، تُدغدِغ كلماتُه مشاعرك وقلبك وروحك، وهو الذي يسكُنُ فيكَ ومعكَ في الوطن.

 

سيرة الشاعر

وُلِد الشاعر الأديب حنا أبو حنا في الرينة قضاء الناصرة في الجليل الفلسطيني، العام 1928،  وهو أحد شعراء المقاومة الفلسطينية. عمِلَ مديرًا للكلية الارثوذكسية العربية في حيفا، ومُحاضرًا في جامعة حيفا وكلية إعداد المعلمين.

وصفه النُّقاد بـ"زيتونة فلسطين"، وصدر كتاب بحثيّ حمل اسم "زيتونة الجليل" تكريمًا له، في إشارة إلى التماهي ما بينه وبين الزيتون في العطاء والأصالة والتجذُّر.

حاز على وسام القدس للإبداع الشعري، وجائزة فلسطين للسيرة الذاتية في العام 1999، عن ثلاثية تناول فيها سيرته الذاتية، وله أربع مجموعات شعرية، وسبعة كتب في التراث الثقافي الفلسطيني، وأربعة كتب تتضمّن مقالات وأبحاثًا أدبية، و15 كتابًا للأطفال. كما حرّر كتابًا عن مذكرات الروائي الفلسطيني نجاتي صدقي.

ومن أبرز أعماله ديوان "نداء الجراح" (وهي قصائد عن مجزرة كفر قاسم)، و"قصائد من حديقة الصبر"، و"تجرَّعت سمَّك حتى المناعة"، و"عالم القصة القصيرة"، و"روحي على راحتي: ديوان عبد الرحيم محمود" (تحقيق وتقديم)، و"دار المعلمين الروسية في الناصرة"، و"رحلة البحث عن التراث"، و"الأدب الملحمي"، و"خميرة الرماد"، و"مهر البومة"، و"طلائع النهضة في فلسطين: خريجو المدارس الروسية" 1862 1914، و"ديوان الشعر الفلسطيني"، و"ثلاثة شعراء".

كما شارك في إنشاء مجلتَيْ "الجديد" و"الغد"، وبرز في نشاطات ثقافية وسياسية متعددة. وحرَّرَ مجلة "مواقف" الأدبية الثقافية.

كتبَ له د. عبد الرحمن ياغي، معلِّقًا على ديوانه الشعري "نداء الجراح": "الشاعر حنّا أبو حنّا يقف مثالاً كريمًا لروّاد الشعر النضالي في الأرض المحتلة، بل واستاذًا لشعراء المقاومة المعروفين، الذين تمثَّلت في شعرهم ملامح الشعب المناضل الذي يُحاوِل المحتل أن يفرِّغه من كل مضمونه القومي والتاريخي والاجتماعي، من هنا نجد لكلمة الوطن، لدى هؤلاء الشعراء طعم الأساطير وطعم الغضب الذي سينتزع النصر انتزاعاً.

وحين يروي شاعرنا حكاية قريته لابنه الصغير نشعر كيف يؤرقه مصير أحفاده وأولاده وإخوة هؤلاء الأحفاد والأطفال، كما نلمس حرصه على رفع رايات الهداية لهم وإطلاعهم على أصدق الأنباء فيما يتصل بحكاية أرضهم".

وعن الديوان نفسه كتبَ د. شوقي ضيف في وصف أبي حنا "لم تمر نكبة ولا فاجعة بأبناء قومه، دون أن يهتز لها، بل دون أن تمُس شغاف قلبه وتملأه حسرة ولوعة، وكان أدهى القوارع ما أنزله الإسرائيليون أثناء عدوانهم الغادر على قناة السويس في العام 1956، بكفر قاسم بالقرب من قلقيلية داخل الأرض المغتصبة، حينَ أنشد حنّا

"ما زالَ يرتعدُ المساءُ    لهول ذكرى المجزرة

صور المآسي بالرصاصِ    بمقلتيهِ مصوَّرَه

كتلٌ مِن الأشلاءِ فاغرة     الدِّماءِ معفَّره

متوثِّبات كالطّيورِ              ذبيحة متعثِّرهْ

 

الشاعِر حنّا أبو حنّا استحقَ أكثر مِن كِتابٍ في سيرته الذاتية

كتب أبو حنا سيرته الذاتيّة بثلاثية: ظل الغيمة (1997)، ومهر البومة (2004)، وخميرة الرماد (2004). قال فيها المرحوم البروفيسور هشام شرابي "هي سيرة جيل بكامله وتاريخ جيل ومستقبل جيل، إنها سيرة حياتك لكنها في الوقت ذاته سيرة حياتي التي حدثتَني عنها في حديثك عن الناصرة وحيفا والقدس ورام الله وقرى الجليل التي عشت فيها".

ويقول الكاتب والشاعر حنّا أبو حنّا: "هدف السيرة سرد رواية الشعب الفلسطيني، التي لم تُرْوَ بشكلٍ متكامل. وحين يكتُب كل واحد سيرته، من وجهة نظره، تتكامل الصورة مثل الفسيفساء".

في "ظل الغيمة"، يسرد أبو حنّا مرحلة طفولته وتعليمه عارضًا للنضال السياسيّ الفلسطيني في الثلاثينيات بعيون طفلٍ، بأسلوب سرديّ سلس وممتع.

ولعلَّ أجمل ما كُتِب من مؤلَّفات عن حنّا أبو حنا وسيرته الذاتية، كان بقلم الكاتب أحمد دحبور، الذي قال عن حنا:  " يُغافِل أبو الأمين جغرافيا البلاد وتاريخها، ولا يغفَل ولو عن عشبة أو حصاة أو حتّى ظلف عنزة، فيقطّرها حكايات وأمثولات في سيرة نادرة تجمع نباهة الطُرفة إلى وطأة الشهادة، وتسوق ضحكة النبع إلى دمعة القلب. هكذا يُصبح ظلّ الغيمة مرآة لنا كجماعة، وله كشاهد متفرِّد، حيثُ يحمِل حنّا أبو حنّا قناع يحيى ويعطيه الكتاب: يا يحيى خذ الكتاب بقوّة.. وإنّه لكتاب ممّا لا يجود به العمرُ مرّتين".

وتظهر عذوبة النص السردي الذي قدّمه الشاعر حنّا أبو حنّا، بنقله عُصارة تجربته الحياتية، دون التخلي عن التفاصِيل الموجِعة، حيثُ كتب: "هناك تسميات يُراد أن تكون مؤشِرًا على حلم أو مطمح. قد اجتهد علماء البلاغة فوجدوا لمثل تلك الحالات تسمية فقالوا إنها "على اعتبار ما سيكون". هذا ما خطر ليحيى (سيرة الكاتب)، عندما تأمّل في تسمية اسم "جامع الاستقلال" في حيفا، ذلك الجامع الذي احتضنَ الشيخ عز الدين القسّام، وكان مُنطلَقًا لدعوته قبل أن يستشهد في أحراش قرية يعبد. كان هذا الجامع يُطل أيام الانتداب البريطاني على شارع اسمه "شارع الملوك"، ولكن اسم هذا الشارع تغيّر بعد قيام الدولة اليهودية في العام 1948، فسمّوه بالعبرية "هعصمأوت" – وتلتقي هذه اللفظة مع الجِذر العربي: "عصم"، و"العصامي" هو الذي يبني نفسه مستقلاً عن عون الآخرين، والمرأة التي عِصمتها بيدها تستطيع أن تتصرف بمصيرها، ومِن هنا كان لقب "صاحِبة العِصمة". وهل تذكر الخليفة المعتصم وصرخة تلك المرأة في عمورية: "وامعتصماه"؟

تحوّل اسم ذلك الشارع إلى ما معناه: شارع الاستقلال على التحقيق، وظلّ اسم الجامع على التفاؤل"....

هذه الجُزئية البسيطة، المقتطَعة مِن "ظِلّ الغيمة"، تحكي وجعًا يسكنُ قلبَ كاتِبه، ويوضِح مدى حُبهِ لبلاده، لكنهُ برِّقةِ قلمه، يخفِّفُ عَن القارئ فيحكي سيرة الماضي ومعانٍ لغويّة، مِن بابِ دراسته، وكتاباته البحثية أيضًا".

 

الشاعِر المعلِّم والباحث

شكَّلَ الشاعر حنا أبو حنّا ظاهرةً أدبية، منذ بداياته في عالم الشِعر والأدب، ثم تحوّل إلى معلمٍ لجيلٍ من الأدباء والشعراء بينهم: محمود درويش، وسميح القاسم، وراشد حسين، وتوفيق زيّاد، وسالم جبران، وحنّا إبراهيم، ومحمود الدسوقي، ونايف سليم وسواهم، وجاءت شهادة الشاعر محمود درويش، لتحفُر اسم الشاعر حنّا أبو حنّا في ذاكرة التاريخ حينَ قال: "حنّا أبو حنّا علّمنا ترابيّة القصيدة". والجميل في شِعر حنّا أبو حنّا تطوره للقصيدة الحديثة، وأدواته الفنية الإبداعية، ولونه الخاص، الذي لا يحاكي أحدًا، ولغته المتفرّدة الجامعة بين لغة الخطابة والتقرير المباشر، والشِعارات السياسية، والبحث العلمي، علاوة على ظرافة التعابير، ولطافة السرد.

غاصَ الشاعِر حنّا أبو حنّا في عالم الأدب مِن أوسع أبوابه، فكتب عن الأدب الملحمي على مرّ العصور متنقلاً بين الأدب العالمي والعربي، وصولاً إلى الجبرانيات وأدب المهجر والرابطة القلمية وبعدها إلى الحداثة والقصيدة الحرَّة، ويُسجَّل للشاعر أبو حنّا مشاركته المرحومَين الشاعر فوزي جريس عبد الله ود. سامي مرعي، نشاطهما ودورهما البارز في الحِراك الأدبي والثقافي في الداخل الفلسطيني، من خلال مجلة "المواكِب"، الثقافية، التي تأسست عام 1984.

عن نفسه يحكي حنّا أبو حنّا: "تنقلَتُ في فضاء فلسطين، من الرينة في الجليل حيث ولدت، ثم أسدود، فالقدس، فرام الله، فجفنة، فحيفا، فالناصرة ثم الرينة فالقدس فحيفا.. كل ذلك بسبب عمل والدي الذي كان موظّفًا في دائرة "مساحة فلسطين". ودرست في "الكُتَّاب" في "أسدود"، ثم انتقلنا الى "نجد" وهي قرية قريبة من "أسدود". في حيفا التحقت في المدرسة الابتدائية (المدرسة الأميرية- مدرسة المعارف للبنين)، حيث يقع اليوم مبنى "بيت الكرمة"، إذ دخلت الصف الثاني الابتدائي مباشرة، لكن الإقامة لم تَطُل في حيفا فانتقلنا الى الناصرة. وهناك شاركتُ الأطفال في مظاهرات ثورة عام 1936، حيث كان الكبار يعطوننا حفنات الكُرسنِّة فنقذفها على الأسفلت أمام حافلات الجيش البريطاني فتنزلق الخيل وتهوي بمن عليها. وفي حيفا كان بيتنا يقع على سفح الكرمل. واستطاعت حيفا أن تأسرني بجمالها وبحرها الذي يعانق الجبل".

ويتابع: "أذكر حيفا مدينة عامرة بالحيوية، وما زلتُ أذكُر تجمُّع الحناطير في ساحة الحناطير. ظلّت صلتي بحيفا وطيدة، حيث كان يسكن أعمامي، وكنت أجيء من الناصرة الى مكاتبها الحافلة بمختلف الكتب الأدبية، من مصرية ولبنانية. جئت إلى حيفا أثناء الحرب العالمية الثانية حين أغارت عليها الطائرات الإيطالية فارتفعت في سمائها بعد ذلك مناطيد بيضاء لتعرقل الطائرات. ورأيت فيها جنود الجيش البريطاني من مختلف الجنسيات".

 

عن الحراك الثقافي قبل وبعد النكبة

"يضيف أبو حنا "حيفا انجبت حركة ثقافية مبّكرة، فقد صدرت فيها مجلة "النفائس العصرية" التي أنشأها خليل بيدس عام 1908، أي بعد صدور الدستور العثماني. وفي ذلك العام صدرت صحيفة الكرمل. وفي حيفا كان الشاعر حسن البحيري والشاعر أبو سلمى (عبد الكريم الكرمي). وفي أواخر الانتداب صدرت في حيفا مجلة "المهماز" وهي مجلة عامة سياسية وثقافية، كان يحررها أميل حبيبي. ولكن النكبة حملت معها ارتحال الطاقات الأدبية والثقافية، وانقطاع وصول الكتب والمجلات إليها، ولذلك كانت الكتب التي اقتنيناها قبل النكبة متاحة لكل من يقرأ. وكان الكتاب ينتقل من يد إلى أخرى فلا يعود لصاحبه".

ويتابع "بعد النكبة استطعتُ أن أصل الى أوراق الشاعر أبي سلمى المكتوبة بخط يده، وقد جمعها صديقه المحامي حنا نقارة. واعتمدت عليها في مقالات كتبتها عن الشعر الفلسطيني. وقد أعيدت هذه الأوراق فيما بعد الى أبي سلمى في تشيكوسلوفاكيا. وقد كانت حيفا أيضًا محطة للفنانين المصريين، كأم كلثوم والممثل المسرحي المعروف يوسف وهبي.

وفي العام 1950، سكنتُ في شارع قيساريا في حيفا، حيث عملت في هيئة تحرير صحيفة "الاتحاد" مع توفيق طوبي، واميل توما، واميل حبيبي، وصليبا خميس، ومحمد خاص، وعلي عاشور، وجبرا نقولا. كما كنت في الهيئة التي بادرت الى اصدار مجلة "الجديد" عام 1951، حيثُ صدرت في بادئ الأمر كملحق لجريدة "الاتحاد"، الى أن حصلت على الترخيص، وتابعت الصدور عام 1953. وقد كان اصدار مجلة "الجديد" عملاً مهامًا في تلك الظروف، إذ جمع الطاقات المتوفّرة لمناقشة المهمات الثقافية وتشجيع القوى المبشّرة، فكنا نفرح بكل طاقة جديدة، ونرعاها ونشجّعها. وأُصدِرت في حيفا مجلة الغد حيث كنت صاحب الامتياز".

 

أمسية تكريمية للشاعر حنّا أبو حنا

"حينَ يُصبح الوطن تهويمة في البال، يأتي عطاؤك ليعيد ما انهرق، وليرجِع وطنًا يُعشش في الذاكرة... وليثبت أننا هُنا؛ نربط ماضيًا بحاضر، ونرنو إلى الآتي الجميل، فلأنك محبة دائمة وعطاءٌ جذلٌ... ولتكاتفك معنا مؤسسةً ورؤيةً وقضيةً نرفعُ إليكَ آياتِ الامتنان والعرفان. حماك الله وأبقاك موئل عطاء، ومعين عافيةً"، بهذه الكلمات محفورةً على درعٍ تمّ تخصيصه بمبادرة جمعية الثقافة العربية، ومقرها في حيفا، واحتفالية فلسطين "بالفست" 2014، تم تكريم حنا أبو حنا، الذي عبّر عن امتنانه لمكرّميه من خلال كلماتٍ مؤثرة. وفي تصريح لمجلة "القدس" قال أبو حنا: "مؤثرٌ وموجِعٌ أن تفرّق الأزمات الفلسطينيين عن بعضهم، فإذا كانَ موضوع النقاش في الاحتفالية حول الاغتراب والانتقال مِن بلدٍ إلى بلد، فإنّ الفلسطيني عاشَ مأساة أصعب بكثير، فقد تمّ طرد هذا الشعب من بلده وهو لا يستطيع العودة إلى وطنه، رغم أنّ القانون يُجيز له ذلك، هُنا شعبٌ مشرد لأكثر من 60 عامًا، وما زال يناضل في سبيل العودة".

وأضاف "توجَّهتُ للكتاب المشاركين أن يعرضوا قضيتنا ومأساتنا لتجنيد الرأي العام، كي يعود اللاجئون إلى الوطن، كحقٍ مشروع في زمنِ الاحتلال، وعن اغتراب شعبي واغترابي الشخصي تعود بي الذاكرة إلى قصيدة "وادي الصليب" من ديوان "عرّاف الكرمل"، قلتُ فيها: (لقيتك تستنبتين الدموع بوادي الصليب/رأيتُ البيوت تكم/ويقعي السكون دمًا لزجًا في الدروب/تعمى النوافذ وبالطوب ينسج أكفانها عنكبوت/ويهرب ظلي مني يحشرج بين سلوع البيوت/وتنفر ذاكرة الشعب من تحت أبط الحجر/وساق الشجر"...)، وكتبتُ بشكلٍ مفصل في سيرة "ظل الغيمة" عن المأساة الثقافية لفلسطينيي الـ48، والهجمة الشرسة التي حاولت طمس ثقافتنا، من خلال تقديم بديل من صحف ومجلات أدبية، وهي مساعٍ تستحق البحث".

وعن مكانة الشاعر قالت الكاتبة شيخة حليوى لـ"القدس": "يحملُ الشاعرُ حنّا أبو حنّا تجربة مميّزة على مستوى شخصي، متنقّلاً بين النصوص الأدبيّة وفِكرة الحياة وتهميش الحصار والإبداع في ظل الاغتراب، وتحمِلُ كتابات الشاعر معاني لواقعٍ يعيشه كثيرون، لكنّ الفلسطيني في الداخل يعيشُ مأساة الغربة العميقة. ومن هنا ليس من السهل المرور السريع على قراءات أدبية للشاعر أبو حنّا، فهو قامة فلسطينية تستحق فعلاً التكريم والتبحّر في سيرته الذاتية الحافلة بالتفاصيل الشيّقة والمؤلِمة، الشاعر أبو حنا متواضعٌ ومُحبٌ للوطن، حماه الله".

اعداد وحوار: غادة اسعد