442 نائبًا أوروبيًا أرسلوا رسالة لوزراء خارجية دولهم يوم الأحد الماضي، حثوهم فيها للاستفادة من التحولات، التي شهدتها الولايات المتحدة بعد سقوط الرئيس دونالد ترامب، وزوال إدارته، وانتخاب إدارة جديدة برئاسة جو بايدن الديمقراطي، والتي تختلف سياساتها تجاه العملية السياسية على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، وتأكيدها على تمسكها بخيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وترفض سياسة الضم والمصادرة للاراضي الفلسطينية، وتعتبر المستعمرات الإسرائيلية غير شرعية وفق القانون الدولي، ووفق المصالح الحيوية الأميركية والإسرائيلية.

وساهم في تحفيز عملية التوقيع أربع شخصيات إسرائيلية اعتبارية، هم: أبراهام بورغ، رئيس الكنيست الأسبق، زهافا غلؤون، رئيسة حزب ميرتس السابقة، نعومي حزان، الرئيسة السابقة لصندوق إسرائيل الجديد، وميخائيل بن يئير، المستشار القانوني السابق للحكومة الإسرائيلية. فضلا عن إيمان وقناعة النواب الأوروبيين بضرورة وقف التغول الصهيوني على الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية، ونتيجة قراءتهم لأخطار تداعيات عمليات الضم بصمت للأراضي الفلسطينية في مختلف المناطق، خاصة في القدس العاصمة الفلسطينية الأبدية وفي المنطقة المصنفة (ج)، والارتفاع الكبير والحاد في عمليات الهدم للبيوت والمنشآت الفلسطينية في الأغوار وغيرها، ولاعتقادهم أن هذه السياسة تمثل تهديدًا حقيقيًا للسلام الممكن والمقبول.

والاتجاه العام للنواب الأوروبيين من أحزاب يسار الوسط، وهناك استثناءات من اتجاهات وتيارات أخرى، وتعود أصولهم لـ22 دولة أوروبية، وهو ما يعكس اتساع دائرة التأييد والدعم لعملية السلام، وللقضية الفلسطينية، وبالمقابل تراجع نسبي في مكانة إسرائيل في تلك الأوساط، دون إغفال أو إسقاط دور اللوبيات الصهيونية وأنصارهم من قوى اليمين المتطرف في دوائر الحكم الأوروبية. بيد أن التدقيق الموضوعي في درجة الانزياحات داخل الشارع الأوروبي، يشير إلى وجود تحول كمي إيجابي لصالح القضية الوطنية الفلسطينية.

وهذا يعود لفقدان الرواية الصهيونية المصداقية، المتلازمة مع افتضاح وانكشاف وجه الدولة الإسرائيلية  العنصري البشع من خلال ارتكابها جرائم حرب في متوالية حسابية يومية ضد أبناء الشعب الفلسطيني العزل، وبسبب تطاولها وخروجها على القانون الدولي، وانفلات عمليات التهويد والمصادرة والضم والهدم للبيوت والمنشآت، التي ساهم الاتحاد الأوروبي بتمويل جزء لا بأس به منها، والتي يقتطعها من جيوب دافعي الضرائب.

من المؤكد أن رسالة النواب الاوروبيين خطوة مهمة، وتشكل إضافة إيجابية في مسار التطور المتدحرج لدول الاتحاد الأوروبي. وعليه يمكن الافتراض أنها خطوة جديدة في عملية التراكم الكمي المقبول. لكنها لم ترقَ لمستوى التحول النوعي، لأن قيمة وأهمية هذه الرسالة، وغيرها من الخطوات الكمية تحتاج إلى قفزة كيفية في السياسة الأوروبية تنعكس في تجاوز الخطاب الشكلي وعبر دعم عملية السلام، وإسناد حقوق ومصالح الشعب الفلسطيني من خلال، أولًا: الاعتراف بدولة فلسطين رسميا، ورفع مستوى التمثيل السياسي والدبلوماسي؛ ثانيًا دعم التوجه الفلسطيني بالاعتراف بفلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة؛ ثالثًا فرض العقوبات السياسية والاقتصادية والتجارية والأمنية على دولة الاستعمار الإسرائيلية؛ رابعًا تجاوز السقف السياسي الصهيو أميركي في كيفية التعاطي مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لا سيما وأن دول الاتحاد الأوروبي تعتبر الداعم الرئيس لموازنة دولة فلسطين المحتلة؛ خامسًا إلغاء تصنيف إسرائيل المارقة كجزء من دول الاتحاد الأوروبي، وإدراجها على قوائم الإرهاب، واعتبارها دولة عنصرية وفاشية، بدل التغطية على مجرمي الحرب الصهاينة، ودعم عملية مقاضاتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية؛ سادسًا تسليط الضوء على مناهجها التعليمية العنصرية، والمولدة للإرهاب والجريمة المنظمة، ليس ضد الفلسطينيين فحسب، بل ضد شعوب ودول الإقليم والعالم؛ سابعًا الدفع بقوة لعقد مؤتمر دولي للسلام، وإلزام الدولة الصهيونية بدفع استحقاقه مباشرة ودون تلكؤ أو مراوحة؛ ثامنًا وفي السياق إقرار وتطبيق فعلي وعلى الأرض الحماية الدولية للشعب الفلسطيني من جرائم الحرب الإسرائيلية وقطعان مستعمريها.

ما تقدم لا ينفي أهمية رسالة النواب الأوروبيين، أو التقليل من شأنها. لكنها مازالت دون المستوى المطلوب لتعزيز خيار السلام، وتحتاج إلى مضاعفة جهود النواب والنخب السياسية وأنصار السلام في دول الاتحاد لتشكيل قوة ضغط حقيقية لتغيير النهج الأوروبي الرسمي في كيفية التعاطي مع مركبات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والارتقاء لمستوى المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عما ارتكبته تلك الدول من أخطاء وخطايا بحق الشعب الفلسطيني. فهل تكون الرسالة صدى لقرارات نوعية أوروبية جديدة تسهم بشكل جدي في صناعة السلام الممكن والمقبول؟