إنَّ الجريمة التي ترتكبها الولايات المتحدة، ومن خلال رئيسها دونالد ترامب، تُعتبر هي جريمة العصر، حيث أنه جنَّد نفسه كرئيس، لتصفية مقومات القضية الفلسطينية كافّةً، خدمةً للحركة الصهيونية، وأهدافها المعادية لشعوب المنطقة، وقد تعمَّد استهدافَ أبرز أعمدة القضية التاريخية الفلسطينية، مستخدمًا الإرهاب الصهيوني والأمريكي والإسرائيلي، متجاهلاً وبشكل كامل كافةَ قرارات الشرعية الدولية، واضعًا نصب عينيه العلاقة السياسية والمصيرية والصهيونية بينه وبين نتنياهو، حيثُ أنَّ مستقبلهما في الحكم والسيطرة، والتجديد في الحصول على الرئاسة مجددًا، يتوقف على مدى تحقيق المصالح المشتركة، التي تخدم الكيان الصهيوني أولاً، وفي المقدمة من حلقات هذه المعركة التي أعلنها دونالد تراب كانت جريمة الاعتراف الأميركي بأنَّ القدس العربية والإسلامية تاريخيًّا، أصبحت في عصر ترامب هي عاصمة الكيان الصهيوني، وتمَّ نقل السفارة الأميركية، وهذه أول مرة من تل أبيب إلى القدس، مضيفاً مأساةً أخرى لتعزيز الأولى، وهي نقل القنصلية الأميركية الموجودة في القدس منذ سنة 1840، والتي كانت تشكّل مرجعيةَ العلاقات الفلسطينية الاميركية، ثُمَّ نقلها لتصبح جزءاً من السفارة الأميركية، أي تمَّ إلغاءُ أي وسيلة للاتصال مع الجانب الفلسطيني، لطمأنة نتنياهو.

ولطمأنة الكيان الصيهوني أكثر، ودعم حليفه الذي يتميز بخبثه ودهائه، والذي يتقن فنَّ الابتزاز، قام بإقفال السفارة الفلسطينية في الولايات المتحدة، وأيضاً قطع الأموال والمساعدات التي كان يدفعها للسلطة الوطنية، منذ بداية تأسيس السلطة العام 1993 من أجل تجويعها، وإِضعافها، وتركيعها.

وهذه الإجراءات واجهها الشعب الفلسطيني بصلابة، وأيضاً القيادة الفلسطينية، وعلى رأسها القائد الوطني الرئيس أبو مازن الذي قال: لا لأميركا، ولا لترامب، ولا لكل العقوبات، وظلَّ متمسّكاً بمبادئه الوطنية واضعاً كرامةَ، ومصلحةَ الشهداء والأسرى والجرحى فوق كل الاعتبارات، لأنهم هم الأشرف منا جميعاً.

أما الخطوة ما قبل الأخيرة من أجل اجتثاث القضية الفلسطينية، واقتلاعها من جذورها استنادًا إلى حساباتهم العنصرية، فكانت اتّباع سياسة التدمير الممنهج لقضية اللاجئين الفلسطينيين المشرَّدين في كل أنحاء العالم منذ 15/5/1948 وحتى الآن، وما زال هؤلاء اللاجئون وأبناؤهم يعانون، ويعيشون ظروفاً مأساوية، واستثنائية، وتعرضوا للحروب والمجازر، دون أن يُنصِفَ هذا العالُم شعبَنا بالعودة إلى أرضه، ليعيش كباقي شعوب العالم في دولته المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، وإنهاء هذه المأساة التي مضى عليها واحدٌ وسبعون عاماً.

والمؤسف أنَّ الولايات المتحدة أوقفت كافةَ المساعدات المالية التي كانت تدفعها للأونروا، وطلبت من بعض الدول الحليفة لها، أن توقف دعمها للأنروا أيضاً، أو أن تقلِّص هذه المدفوعات حتى تنهارَ الانروا كمؤسسة دولية، أُسّست العام 1949 لرعاية وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين إلى حين عودتهم إلى أرضهم التي شُرِّدوا منها، فالانروا إذن هي مؤسسة أو هيئة دولية مستمرة في عملها، بقرار دولي واضح المعالم، وهو القرار 194، الذي يقضي بحق العودة والتعويض على اللاجئين بمن فيهم اللاجئون الموجودون داخل أراضي العام 1948، الذين طُردوا من قراهم، بعد تدميرها ويبلغ عددها نحو 532 قرية ولم يُسمح لهم بالعودة إلى أرضهم، بسبب سياسات صهيونية عنصرية يمارسها الكيان الغاصب.

وهنا نتوقف أمام قضية جوهوية على الجميع أن ينتبه لها وهي قضية خطيرة، ولغم مُفخَّخٌ لنسف الانروا كمؤسسة دولية، واكبت مسيرةَ النكبة واللجوء منذ البداية، وهي الشاهدُ الحقيقي على المؤامرة بكل تفاصيلها، ومراحلها، وهي أيضاً الشاهد السياسي على كل المعاناة، والمراحل، والمحطات التاريخية التي عانينا فيها الأمرَّين، واليوم ترامب ونتنياهو يعملان بجدية مطلقة، وإصرار، ومسابقة الزمن لتحقيق واحدٍ من اثنين:

أ‌- إمَّا تحريض دول العالم من أجل رفض التصويت لصالح التجديد للأونروا في الجلسة القادمة للجمعية العمومية، وعدم دفع المنح المالية لها للقيام بخدماتها الطبية والتعليمية، والخدماتية. ونحن نستبعد أن تنجح الصيهونية في هذه المهمة لأنَّ غالبية دول العالم متعاطفة مع شعبنا.

ب‌- وإمَّا ممارسة الضغوطات على بعض الدول والجهات للموافقة على أن تنقل اللاجئين الفلسطينيين، الذين ترعاهم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، الدولية حالياً، إلى عهدة "مفوضية اللاجئين الدولية السامية" وهي المسؤولة عن تقديم الإغاثة والرعاية الاجتماعية للاجئين المنكوبين من مختلف دول العالم نتيجة الحروب الداخلية في تلك البلدان، وهذه المفوضية الدولية ليست معنيةً بالقضايا السياسية والوطنية، وتقرير المصير، كما هو حاصل بالنسبة للاجئين الفلسطينيين.

ولذلك على كل أبناء شعبنا الفلسطيني، أن يفهموا خطورةَ الدعوة إلى ضم قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى مفوضية اللاجئين الدولية، ونزعها من وكالة الأونروا المؤتمَنة تاريخياً، بحكم المتابعة المتواصلة والدقيقة لكافة شؤوننا كلاجئين. ولذلك فإنَّ الدعوة إلى التحوُّل نحو المفوضية الدولية للاجئين كبديل عن الأونروا، هدفُه الأساس تحويلُ قضيةِ اللاجئين من قضية سياسية دولية، توثِّقُ جريمةَ تشريدِ الشعب الفلسطيني، وتنفيذِ الصهاينة للمجازر بحق أهلنا في مئات القرى الفلسطينية، وتجريدهم من حقوقهم في أرضهم التاريخية، وتحويل هذه القضية السياسية الدولية إلى قضية إنسانية، لها علاقة بتأمين الطعام والشراب والخيام والمساعدات المالية، بل الإغداق في الأموال، والإغراءات الاقتصادية. وهذه هي أفكار ترامب وفريقه الذين روَّجوا للمشاريع الاقتصادية في سيناء وفي ورشة المنامة كبديل عن الطموحات الوطنية والحقوق السياسية.

علينا جميعاً أن ندقق جيداً في أية طروحات يتم تسويقُها، والترويجُ لها تحت شعاراتٍ مغريةٍ لها علاقة بتسهيل عمليةِ الهجرة مقابلَ التوقيعِ الموثَّقِ من الفلسطيني صاحبِ الحقِ التاريخي لدى (وكالة الأونروا)، على أن تكون علاقتُه الآن كلاجئ فلسطيني مع (مفوضية اللاجئين الدولية السامية) التي تقدم الغذاء والدواء لأي لاجئ في العالم، ولكنها ليست معنية بالحقوق التاريخية والسياسية للشعب الفلسطيني.

وما نتحدت عنه هو إحدى الإبداعات الصيهونية الخطيرة، لتجريد اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم السياسية والقانونية التي أقرها المجتمع الدولي. وهذه إحدى حلقات التآمر على شعبنا التي تعتمدها صفقةُ القرن الصيهونية، من أجل تصفية القضية الفلسطينية.

الحاج رفعت شناعة 

عضو المجلس الثوري

15/9/2019