تقرير: يامن نوباني

استشهد وهو يخط كلماته للانتفاضة الشعبية ولفلسطين، بعد أن كتب آخر ثلاثة سطور ونصف في حياته: (تحية النضال الملتهب، تحية العطاء المتواصل، والفداء المستمر، إلى اخوتنا المناضلين في قيادة الانتفاضة، وإلى كافة لجان العمل الوطنية في اللجان الشعبية بالمخيمات والمدن والقرى والأحياء، إلى اللجان التي تؤدي مهماتها في هذه الظروف...) لا أحد يعلم ما هي الجملة التالية... لكن أبو جهاد كتبها بدمه "أن الشهداء يضيئون عتمة هذا الدرب الطويل إلى البلاد المحتلة".

تُختصر حياة أبو جهاد (خليل الوزير) والممتدة منذ ولادته في الرملة في العاشر من تشرين الأول 1935، إلى لحظة استشهاده في حدود الساعة من فجر 16 نيسان 1988 في تونس، التي تصادف غدا الثلاثاء، بعبارة: هُجِّر، فعاش ثورياً، واستشهد على طريق العودة إلى فلسطين محررة".

لأبو جهاد خمسة أبناء هم: جهاد، وباسم، وايمان، وحنان، ونضال، حاورت نجله باسم، حول شخصية أبو جهاد ومواقف من حياته واستشهاده.

يقول باسم: كان والدي يعمل منذ كان صغيرا في محاولة منه لكسب رزق يساعد به والده البقال. وكان منذ طفولته محباً للخيل، وفي إحدى المرات ذهب من الرملة إلى يافا على ظهر حصان لتسليمه إلى تاجر خيول، وعند عودته تعرض الحصان للسعة نحل، فسقط عن الحصان، وكسرت يده.

ويضيف: كان أبو جهاد محبا للشعر، ومرهفا في الاستماع للموسيقى، وكان يستمع لعبد الحليم حافظ وميادة الحناوي، ويستمتع بالقراءة ويحب الملوخية والسماقية.

ويقول: ولدت عام 1967 في سورية، أسماني والدي "باسم" في دعوة للتفاؤل بعد النكسة، حيث وصلت يوم ولادتي شحنة أسلحة عبر طائرة من الصين إلى القيادة الفلسطينية في دمشق.

ويبين: كان أبو جهاد حنون شخصية رقيقة، ويعطيك انطباع أنك شخصية مستقلة وصاحبة قرار، ويشجعك على ممارسة حقك وابداء رأيك بشكل ديمقراطي. كان يمضي معظم وقته في استلام معلومات حول الوطن والارض المحتلة، يلتقي بقيادات ونشطاء يعطيهم مبادرة أو فكرة او يوصل لهم معلومة ليوصلوها للداخل، طول عمري اتذكر أن كماً هائلا من الناس كانت تأتي إلى بيتنا. وهو بيت تاريخي وكل الذين عاشوا في تلك المرحلة عرفوه وأمضوا ليالي وسنوات من عمرهم فيه.

ويضيف: الثورة انطلقت من بيتنا في حي ركن الدين بدمشق، البيت الذي دخلته معظم القيادات الفلسطينية، وكان مقر دائم للمشاورات الحاسمة والعمليات البطولية. لم تكن هناك مساحة شخصية في البيت، فاجتماعات القيادة والمنشورات السرية وحتى الأسلحة كانت فيه، وكان أبو عمار الأكثر ترددا على البيت، كان واحد منا، يشاركنا الافطار والغداء والعشاء، وينام على سريري. وفي إحدى المرات ذهب والدي إلى ساحات القتال وعاد بعد فترة بذقن طويلة لم نتمكن خلالها من معرفته، فقلت لأمي: عمو ع الباب!.

ويتابع: كان الجميع أخوة بمعنى الكلمة و كانوا يتناوبون على الاعتناء بنا فعندما سجن والدي مع القيادة في سوريا، تولى الشهيد ابوعلي اياد الاعتناء بشقيقي جهاد ونضال، وفي غفلة من الامر سقط أخي الصغير نضال عن الشرفة، بينما كان أبو علي اياد يجتمع بفدائيين في البيت وكانت والدتي تقوم بمهام وطنية في الخارج، وتم منح والدي ثلاثة أيام للخروج والمشاركة في الدفن الأمر الذي ساهم في الإفراج عن القيادة من السجون السورية.

في لبنان كنا ننتقل من بيت إلى البيت، لأن طبيعة العمل الفدائي كانت بحاجة لسرية، رغم وجود مكاتب للمنظمة وفتح إلا أن بيتنا كان خلية عمل دائم والحيطة والحذر كانت سمات تلك المرحلة خاصة بعد عملية فرمان التي استشهد فيها الشهداء كمال عدوان وكمال ناصر وابو يوسف وام يوسف النجار.

عاش أبو جهاد حياة عسكرية كاملة، فحتى شهر العسل كان بمثابة جولات تفقدية لخلايا الثوار، كتب للقيادة الأردنية بعد زواجه عام 1962: أرغب أنا وزوجتي للتجول في شهر العسل بالضفة الغربية، ووافقت له الحكومة الأردنية. فزار وقابل الخلايا التنظيمية لحركة فتح والفدائيين في قرى ومدن الضفة.

ويتابع: حتى في الأعياد لم يكن يستريح، وكانت عيديتنا الذهاب معه لمواقع القتال، حيث كان والدي يزورهم ويعايدهم، وكنا نتسابق انا واخوتي إلى السيارة ونتشاجر من يذهب معه.

"قبل عملية الساحل، جاء للوالد شريط فيديو للساحل الفلسطيني، ونادانا لنحضره معه ونشاهد فلسطين. ورأينا جمال فلسطين والطبيعة والبحر، وكان الوالد يدمع من الموقف ومن شوقه وحبه لفلسطين. اختي حنان التقت بدلال المغربي قبل تنفيذها العملية. وأخي جهاد كان مع الكتيبة الطلابية في قلعة الشقيف." يقول باسم.

ويبين: كان يأخذنا إلى راس الناقورة في الجنوب اللبناني، وعلى الحدود الأردنية، على قمم جبال السلط، وإلى أي مطل على فلسطين ويشرح لنا عن البلاد، ويشير إلى المدن والمناطق.

ويضيف: كان يشجعنا على القراءة وعلى الرياضة وابداء الرأي في الأحداث والأخبار والتصريحات الصحفية، وكان مطالع للصحف التي كانت تصدر في المنطقة حينذاك بشكل كبير منها الشرق الاوسط والبيان ومجلة البيادر، كان معظم وقته في متابعة الصحف. كما كان بيتنا عبارة عن مكتبة ضخمة فيها شتى أنواع الكتب وبخاصة كتب الفكر والسياسة وأدبيات الثورة الفلسطينية وكتب عن العدو الإسرائيلي.

أبو جهاد في انتفاضة الحجارة 1987

يقول باسم: الانتفاضة لم تكن وليدة اللحظة، بل نتيجة التراكمات التي واجهها شعبنا، ولكن التحضير للانتفاضة اخذ وقتا كثيرا، درست الانتفاضة منذ العام 1972 ومذكورة في أدبيات الشهيد كمال عدوان منذ 1972، كذلك الاوراق التي عند الوالد تناقش الانتفاضة منذ العام 1972 وبعده، استمر التفكير بها من تلك الايام، فكرة نقل الثورة من الخارج الى الداخل وذلك تبلور بعد الخروج من بيروت 1982، فاتخذ القرار بالعودة إلى الداخل والبدء بالثورة من الداخل. الناس اعتقدت ان الانتفاضة عفوية، لكن كان مخطط لها وممنهجة.

ويبين: الوالد حين بدأت الانتفاضة عقد اجتماع للقيادة الفلسطينية للمجلس المركزي في بغداد وسألوه عن دور القيادة الفلسطينية في الانتفاضة، فتحدث بمداخلة طويلة عن معنى الانتفاضة واهميتها للشعب الفلسطيني، والمداخلة اليوم موجودة كوثيقة في المجلس المركزي ولها وصايا خطها الوالد بيده فيما يعرف بدستور الانتفاضة.

ويتابع: واحدة من الوظائف التي كان يوليها لنا هي تفريغ البراشيم والرسائل التي كانت تُهرَّب من السجون لأبو جهاد وكنا نستمتع في تفكيك الخطوط، بالتالي نشعر اننا مارسنا بسعادة دورا مهما في نقل رسالة من السجون لأبو جهاد.

استشهاد أبو جهاد..

خمس وسبعون رصاصة في جسد خليل الوزير "أبو جهاد"، ثمانٍ منها في القلب، لم توقف نبض انتفاضة الحجارة، بل دفعتها لإعلاء عبارتها الأولى والتي كتبها أبو جهاد بنفسه: لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة. خمس كيلومترات من شاطئ البحر سارت الوحدة الخاصة الإسرائيلية "سيرت متكال"، حتى وصلت منزل الشهيد ابو جهاد في حي سيدي بوسعيد، تم اغتيال أحد الحراس الذي كان جالساً في مركبة عند مدخل "الفيلا"، بعدها اغتيل عامل الحديقة، ومن ثم اقتحمت الوحدة التي انقسمت إلى أربع خلايا الفيلا ، عملية الاغتيال جاءت بعد سفر استغرق ثمانية أيام في البحر ذهابا وإيابا، بعد عملية الاغتيال حاول عناصر وحدة "سيرت متكال" البحث وبشكل سريع عن وثائق في غرفة المكتب الخاصة بأبو جهاد، بهدف الحصول على معلومات استخبارية حول خطط منظمة التحرير الفلسطينية.

اشترك في العملية أربع قطع بحرية، منها سفينة حراسة "كورفيت" (Corvette) تحمل طائرتي هليكوبتر لاستعمالهما إذا اقتضت الحاجة للنجدة، كما تحمل إحداهما مستشفى عائما، وقد رست القطع على مقربة من المياه الإقليمية التونسية تواكبها طائرة قيادة، وطائرة أخرى للتجسس والتعقب". السبب الرئيسي كان وراء اغتيال ابو جهاد هو محاولة إخماد الانتفاضة، لكن الانتفاضة تصاعدت أكثر فأكثر. ومن العمليات العسكرية التي خطط لها ابو جهاد، عملية نسف خزان زوهر عام 1955، وعملية نسف خط أنابيب المياه (نفق عيلبون) عام 1965، وعملية فندق (سافوي) في تل أبيب وقتل 10 إسرائيليين عام 1975، وعملية انفجار الشاحنة المفخخة في القدس عام 1975، وعملية قتل "البرت ليفي" كبير خبراء المتفجرات ومساعده في نابلس عام 1976، إضافة إلى عملية دلال المغربي التي قتل فيها أكثر من 37 إسرائيليا عام 1978، وعملية قصف ميناء ايلات عام 1979، وقصف المستوطنات الشمالية بالكاتيوشا عام 1981. كما حمل الاحتلال الشهيد "ابو جهاد" المسؤولية عن أسر 8 جنود إسرائيليين في لبنان، ومبادلتهم بـ 5000 معتقل لبناني وفلسطيني، وكذلك وضع خطة اقتحام وتفجير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور عام 1982، الأمر الذي أدى إلى مصرع 76 ضابطا وجنديا، بينهم 12 ضابطا يحملون رتبا رفيعة، وكذلك إدارة حرب الاستنزاف من عام 1982 إلى عام 1984 في جنوب لبنان، وعملية مفاعل ديمونا عام 1988.

يقول باسم: كان دائما يحضرنا ليوم استشهاده وكنا نتوقع اغتياله في اي وقت من الاوقات. في يوم استشهاده، وكنت أدرس وشقيقتي ايمان في الولايات المتحدة، اتصل بي ابن عمي، وقال لي على الهاتف: مبروك.. فتساءلت عن ماذا، رد: مبروك والدك استشهد. أصبنا بالصدمة. جهزنا انفسنا للسفر إلى تونس، وتوجهت انا وشقيقتي للمطار وهناك التقينا بشقيقنا جهاد الذي كان أيضا يدرس في أمريكا، توجهنا إلى ايطاليا فوجدنا المطار متوقف بسبب اضرابات، وشاءت الصدف أن المطران كابوشي كان متجها لتونس من روما على متن طائرة خاصة للمشاركة بالجنازة مما سهل لنا السفر ووصلنا تونس. وكنت انا واخوتي قد تعاهدنا على رباطة الجأش أمام والدتنا لكنها كانت الاقوى فينا.

ويضيف: حضر مليون و200 ألف انسان جنازة والدي، فكانت جنازة هائلة. خرج فيه معظم الفلسطينيين في سوريا، وآخرون جاؤوا من الأردن ودول الشتات، وعدد من العرب والأجانب، فمحبة أبو جهاد كانت كبيرة، لأنه كان نهج الكفاح المسلح والمقاومة. كان قريبا من الناس، وداعما لهم من خلال انشاء مشاريع تنموية وثقافية واجتماعية ورياضية، ويعمل على خلق حالة فلسطينية يتم من خلالها الحفاظ على الذات والكينونة الفلسطينية من خلال مقاطعة المنتجات الإسرائيلية والاستعاضة عنها بمنتجات فلسطينية محلية الصنع كما جسد مبدأ الاكتفاء الذاتي والمقاومة الشعبية كأحد وسائل التحرر والنضال اذ انه درس تجارب غاندي ومانديلا وفيتنام وكوريا وتشي جيفارا وغيرهم من نماذج المقاومة وتأثر بهم. دفن في مقبرة الشهداء بمخيم اليرموك، إذ كان أحد الذين وضعوا حجر الأساس لها، أول قبر فيها بناه بنفسه وشات الصدف أن يكون القبر الأخير أو ما قبل الأخير له.