يا جماهير شعبنا الفلسطيني في الداخل والشتات

منذ أن حصل الانقلاب العسكري في 2007/6/14، والذي كرَّس الانقسام الجائر في الساحة الفلسطينية الوطنية، بكل تفاصيلها الجغرافية، والتنظيمية، والسياسية، والشعبية، هذا الانقسام الذي عطَّل مسيرة الوحدة الوطنية منذ اثني عشر عاماً، دفعت القضيةُ الفلسطينيةُ، كما شعبُنا الفلسطيني من جرائه ثمناً باهظاً بسبب التدمير السياسي، والوطني، والاجتماعي الذي ضربَ المسيرة النضالية الفلسطينية بوجه الاحتلال الصهيوني.

لقد عانت حركة فتح الكثيرَ عبر السنوات الماضية، لكنها بصدرها الرحب، وحرصها على الدم الفلسطيني، وسعيها الدائم لإتمام الوحدة الوطنية، حافظت على الأُخوَّة التي تربطها مع كل أبناء شعبنا مهما كانت الخلافات.

وظل الرئيس أبو مازن رئيس دولة فلسطين حريصاً أيضاً على التعاطي إيجابياً مع كافة الفصائل، وخاصة حركة حماس بأنها جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني الفلسطيني، وأنها فصيل فلسطيني، وظلَّ شغلُ الرئيس الشاغل هو تجسيد الوحدة الوطنية، وإعادة حركة حماس إلى ساحة الإجماع الفلسطيني، ووحدة القرار للصمود بوجه الاحتلال واعتداءاته.

ورغم التحديات الجسيمة التي ولَّدها الانقسام، والانعكاسات الخطيرة على حياة المجتمع الفلسطيني، وعلى قدراتنا الذاتية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، إلاَّ أن الرئيس محمود عباس، وهو المؤتمن على ثوابت الرمز ياسر عرفات، والذي نال بكل استحقاق وطني وسياسي لقبَ أيوب فلسطين، نظراً لصبره منقطع النظير على تداعيات الانقسام ميدانياً، وخاصة القسوة والمعاناة التي مورست على أبناء حركة فتح، وعلى جمهورها، لمجرد تمسكهم بحركة فتح وقيادتها التاريخية. كانت الخيارات صعبة أمام الرئيس خاصةً أن صُنَّاع الانقسام الفلسطيني ضيَّقوا الخناق عليه، وعلى أُطر الحركة كافة، لكنه اختار دائماً أن يكون مع فلسطين، وأن يكون جندياً مقاتلاً من أجل أن تبقى حركة فتح صامدةً بوجه كافة محاولات التصفية الوطنية، والجسدية، والسياسية. الرئيس أبو مازن أيوب فلسطين وخادمُها، وأمام كلِّ حملات التحريض، والتخوين، والتشوية، والشتائم، فإنه لم يستسلم أمام جبروت الانقسام المُرعب ذي الامتدادات الدولية، والإقليمية، والمحلية الذي صُنِع خصيصاً من أجل تفتيت ودفن المشروع الوطني الفلسطيني، حتى تفقد الساحةُ الفلسطينية عفَّتها وشرفها النضالي، ويسهلُ بيعُها.

وبعد صبر اثني عشر عاماً على مفاعيل الانقسام التي كانت تحفر عميقاً في ثورتنا، وفي مجتمعنا، وصل السيلُ الزبى، وقرعَ قائدُ مسيرتنا الرئيس أبو مازن ناقوسَ الخطر، وحمَّل الجميعَ مسؤوليةَ ما يجري من تطاولٍ على المقامات، والرموز، والمؤسسات الوطنية.

ولم تعد المحكمةُ الدستوريةُ قادرةً على الصبر والتحمُل، لأن البنيانَ يكاد ينهار، وكان القرار البالغُ الأهمية الصادر عن هذه المحكمة، وهي أعلى هيئة في البلاد، وقرارُها نافذ، وعلى الجميع الالتزام به، وهو حلُّ المجلس التشريعي الفلسطيني فوراً، والتحضير لإجراء الانتخابات التشريعية خلال ستة شهور.

إنَّ هذا القرار القضائي جاء مخلِّصا لنا جميعاً، ومساعداً من أجل الخروج من مستنقع الانقسام، الذي أَغرقنا فيه وفي وحوله من يرونَ في "م.ت.ف" عدواً ونقيضاً أساسياً لإستراتيجيتهم البعيدة عن الإجماع الوطني.

ونحن اليوم لا نستغربُ ردودَ الفعل الغاضبة من قبل بعض الفصائل على قرار المحكمة الدستورية، والذي حدَّد المسار القانوني والوطني لشعبنا للخروج من المأزقِ الحاد باتجاه تجسيد الوحدة الوطنية، وتكريس المصالحة الفلسطينية، ورسم الخطوط العريضة للمرحلة القادمة المثقلة بهموم مواجهة الاحتلال، والشروع في مرحلة الانتقال، من مرحلة أوسلو الانتقالية إلى مرحلة إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

نحن نناشد كافة الأطراف الفلسطينية أن تأخذ قرارها الصائب بعيداً عن أية تأثيرات أو ضغوطات إقليمية أو دولية، وأن نضع فلسطين نصبَ أعيننا، وأن نتمسك بقرارنا الفلسطيني المستقل ملتفين حول إطار "م.ت.ف" الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهي المظلة السياسية والوطنية لكل شعبنا في الداخل والشتات، ولا ننسى أن "م.ت.ف" هي التي تقاوم الاحتلال والإسرائيلي على كل الأصعدة وهي التي تقضُّ مضاجعه لأنها هي العدو اللدود للاحتلال وأدواته.

شئنا أو أبينا، فنحن اليوم أغلقنا بوابه الانقسام من خلفنا، وانطلقنا مؤمنين بأننا أصحابُ القضية، وأننا قادرون على صناعة مستقبلنا، واستقلالنا، وتحرير أرضنا، مستندين إلى وحدتنا الوطنية، وإلى قرارنا الفلسطيني المستقل، وإلى إيماننا المطلق بالله، وبحقوقنا المقدسة، وبالنصر المؤزر.

ونحن نعاهد سيادة رئيس دولة فلسطين، وقائد مسيرتنا، بأننا كقيادة لحركة فتح في لبنان سنبقى الأوفياء والمخلصين لقيادة هذه الحركة التاريخية، والتي بدأت مع الرمز ياسر عرفات منذ الانطلاقة، وتتواصل اليوم مع أيوب فلسطين الثابت على الثوابت، والمؤتمن على مسيرة الشعب الفلسطيني.

وسنكون الدرعَ الواقي لهذه الحركة الرائدة، ولقرارها المستقل، ولقيادتها التي لا تبيع ولا تشتري.

وبمناسبة الأعياد المجيدة للطوائف المسيحية فإننا نتوجه بأجمل التبريكات، وأصدق التهاني لأبناء شعبنا المسيحيين الصامدين على أرض فلسطين التاريخية، وكل عام وأنتم بألف خير.

المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والعزةُ والمجدُ لأسرانا الصامدين، والشفاء لجرحانا ضحايا الإجرام الصهيوني، والنصر المؤزر لشعبنا الفلسطيني، وللأحرار في عالم الكفاح من أجل حرية واستقلال الشعوب.

قيادة حركة "فتح" في لبنان- الإعلام المركزي

25-12-2018