افتتاحية العدد 348 من مجلة القدس/ حزيران 2018


تعيش القضيةُ الفلسطينيةُ أصعبَ المراحل، وأشدَّها تعقيدًا، فالمؤامرة الخارجيّة تستهدف القضيّةَ الفلسطينيةَ، وركائزَها الأساسيةَ، بل ثوابتَها الوطنيةَ الجوهريةَ. ومؤامرة صفقة القرن الأميركية الصهيونية التي تُحيط بالعنق الفلسطيني تعملُ على تصفية الموضوع الفلسطيني من أجل تحقيق الأهداف الإسرائيلية التي تُثبِّتُ وجودَها على الأراضي الفلسطينية والعربية، وتُعزِّز أيضًا النفوذ الاستعماري الأميركي في المنطقة.
من هذا المنطلَق فإنَّ الولايات المتحدة تُلقي بثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري لإنجاح صفقة العصر مهما كلَّف الثمن، لأنَّ المكاسب ستكون إستراتيجيّةً بالنسبة لها. ولذلك هي تسعى لتغيير وجه المنطقة من خلال استخدام الحسم في القرارات والإجراءات، والعمل على شطب الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفرض الحلول التي تتناسب مع الوجود الصهيوني، إضافةً إلى تدجين القوى الأساسية والنافذة في الوطن العربي كي تضمن تصويتها إلى جانب الصفقة الأميركية الصهيونية.
ومن القضايا المهمَّة التي تحظى بتركيز ترامب هي عدم إقحام الجانب الإسرائيلي في تفاصيل هذه الصفقة، لأنَّها بالأساس طبخة صهيونية. أضِفْ إلى ذلك الاستعداد لتجاهل قيادة "م.ت.ف" إذا أصرَّت على موقفها الرافض للصفقة الأميركية، وهي منذ فترة تبحث عن البديل الذي يقبل بالصفقة حتّى لو حضرَ لقاءَ الأطرافِ وكان مُستَمِعًا، فالمهمُّ الحضورُ، والباقي على العرب والأطراف الأساسية، لأنَّ المهمَّ كيف تتمّ عملية تمرير الصفقة في أسرع وقت.
ما ذكرناهُ في المقدِّمة كان مَدخَلاً للولوج في صلب الموضوع المطروح من خلال العنوان الذي يتصدَّر الصفحة الأولى.
صفقةُ ترامب عينُها على قطاع غزّة لاستخدامه في الحلِّ السياسي، وتأهيلِه ليكون هو الكيان الفلسطيني الذي يتمُّ التعامل معه سياسيًّا من قِبَل دول المنطقة، وإذا ما تمَّ ذلك بموافقة طرف فلسطيني بديل، تعتبر (إسرائيل) ذلك أوَّل طعنةٍ قاسيةٍ في صدر "م.ت.ف"، وبالتالي الدولة الفلسطينية، وشقّ الصف الفلسطيني. فهل يُحقِّق الكيان الصهيوني أُمنيَتَهُ في تمزيق أرض الوطن، وتمزيقِ شعب الوطن الفلسطيني، وطمسِ الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة المستقلة، على الأراضي المحتلّة في 4 حزيران العام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية؟
وما نتحدَّث عنه ليس خيالاً، أو أوهامًا، وإنَّما هو جزء من الحراك السياسي، والتسابق بين الأطراف للحصول على النفوذ المطلوب، والمباركة من الأطراف المعنية بإنجاح الصفقة.
ولأنَّ موضوع قطاع غزّة بالغُ الأهمية، ومصيره على نار حامية جدير بنا أن نتوقَّف أمام مجموعة حقائق حتى ندرك خطورة الموقف على الساحة الفلسطينية:
أولاً: إنَّ الجانب الإسرائيلي نفسه وبقيادة شارون أمر بسحب الجيش الإسرائيلي والمستوطنين العام 2005، وتُركَت غزّة ساحةً للصراع الفلسطيني الداخلي. وفي 14/6/2007 قامت حركة "حماس" بالانقلاب المشهور، وأطاحت بالسُّلطة القائمة، وتسلَّمت هي الحكومة، ودمَّرت بُنية الأجهزة الأمنية، والعسكرية، وأصبحت السُّلطة سلطتَين الأولى في الضفة الغربية برئاسة الشرعية الفلسطينية، والثانية في قطاع غزّة، وهي سُلطة الأمر الوقع بقيادة حركة "حماس"، وهي خارجة عن السُّلطة الشرعية. ومن هُنا بدأت مأساة الشعب الفلسطيني، واستفادت (إسرائيل) من الانقلاب لتحاصر القطاع، ولتُدمِّره ثلاث مرّات من خلال حروب قاسية، دفعَ ثمنَها الشعبُ الفلسطينيُّ في الأحياء الفقيرة، عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وعشرات الآلاف من الشقق المدمَّرة.
ولأنَّ مشروع الاستفراد بالسُّلطة في القطاع جاء ضمن حساباتٍ مدروسةٍ، فإنَّ كافّة المساعي الرّامية إلى المصالحة والوحدة وإنهاء الانقسام تمَّ رفضُها من سُلطة الأمر الواقع، لأنَّ هناك مَن ينتظر هذه الساعات الأخيرة التي بدأها شارون، واستمرَّت كي يقطف ثمارها نتنياهو، وصناعة كيان في القطاع بديل عن "م.ت.ف" التي تعترض على صفقة القرن، واختيار بديل للرئيس أبو مازن طالما هو يرفض تفاصيل الصفقة.
ثانيًا: إنَّ الإصرار الأميركي والإسرائيلي على تدمير الحقوق الوطنية الفلسطينية، وثوابت القضية الأساسية من القدس إلى اللاجئين، إلى الاستمرار في استيطان الأرض واعتبارها أرضًا إسرائيلية، وليست عربية فلسطينية، والإصرار أيضًا على التمسُّك بالأغوار، والحدود مع الأردن، هذا كلّه مُورِسَ في الضفة الغربية وبالقوّة العسكرية كرسالة واضحة من قِبَل صفقة القرن بأنَّ هذه الأرض هي أرض إسرائيلية، ولا مجال لوجود دولتَين على هذه الأرض، وإنَّما دولة واحدة فقط، هي دولة يهودية على الأراضي الفلسطينية كافّةً، وأنَّ الوجود الفلسطيني عليها غير شرعي، وهو استثنائي، وليس له سيادة، وإنَّما وجود إداري. أمَّا الكيان الفلسطيني فهو في قطاع غزّة.
ثالثًا: إنَّ أميركا صاحبة صفقة القرن لا تستطيع التهرُّب من إيجاد كيان فلسطيني، وبأيِّ طريقة حتى تكتمل اللعبة محليًّا ودوليًّا. وهي مُضطَّرة لإيجاد كيان على جزء من الأراضي الفلسطينية الذي هو قطع غزّة، والذي انسحب منه الجيش الإسرائيلي لأنَّه ليس بحاجة إليه، فالكيان الصهيوني يُقدِّس الضفة الغربية ويعتبرها الأرض المقدَّسة، وأنَّها أرض الميعاد، وأنَّ (إسرائيل) صاحبة الحق في كلِّ شبر من هذه الأرض.
وهنا نتذكَّر الرّدَّ الذي قاله الرّمز ياسر عرفات لإسحق رابين عندما قال رابين لأبو عمّار: خُذ قطاع غزّة واصنع منه دولةً كيفما تشاء. فردَّ عليه أبو عمّار: "غزّة أريحا أولاً".
لقد ربطَ أبو عمّار بين جناحَي الوطن، ورفضَ أن تكون الدولة في قطاع غزّة، فهل سيأتي طرف ويتبنَّى الطرح الأميركي الذي يُسوِّق لقطاع غزّة بأن يكون دولة؟؟!!
رابعًا: إنَّ جدّية الأطراف الدولية والعربية باعتبار قطاع غزّة كيانًا مُنفَصِلاً يُمثِّل الشعب الفلسطيني بعيدًا عن الضفة الغربية، إنَّما تبرز من خلال الممارسات على أرض الواقع، والصفقات الجدية التي يتمَّ الحديث عنها منذُ ما يزيد على أحد عشر عامًا وحتى الآن.
فهناك إغراءات كبيرة يتمُّ تقديمها لقطاع غزّة، ولـمَن يقبل الصفقة، وخاصّة الإغراءات المالية بالمليارات، والمشاريع الاستثمارية والاقتصادية وبناء المرفأ والمطار، ورفع الحصار، وتوسيع أراضي قطاع غزّة لتصبح 750 كلم2 بينما هي حاليًا 365 كلم2، أي تؤخَذ مساحات من سيناء تُضاف إلى قطاع غزّة، بينما يتمُّ اقتطاع مساحة من النقب كبديل. مع التذكير بأنَّ محمد مبارك عندما كان في الحكم عُرِضَ هذا الأمر عليه فرفضَهُ، ولكن عندما تسلَّم الرئيس السابق محمد مرسي الرئاسة لم يعترض على هذا الأمر.
خامسًا: ما يجب أخذه بعين الاعتبار أنَّ ما يُسمَّى بالربيع العربي هو الذي أنعش مثل هذه الأفكار التآمرية على مصير الشعب الفلسطيني، والهادفة إلى تصفية الحقوق الفلسطينية، وتثبيت الركائز الصهيونية في المنطقة عبر الكيان الصهيوني وتحالفاته.
إنَّ ما أصاب بعض الدول العربية من دمار، ومن مجازر، ومن تدمير في البنية التحية والاقتصادية، ومن صراعات، وخلافات جعل الجانب الأميركي يسعى لتسييد الكيان الصهيوني على المنطقة تحت شعار أنَّه هو الذي يحمي المنطقة من الخطر الإيراني، علمًا أنَّ العدو الصهيوني وحليفته الولايات المتحدة يرتكبان المجازر بحقِّ شعبنا في فلسطين وغير فلسطين.
أمامَ هذا الخطر الدائم، والذي يُهدِّد الشعب الفلسطيني ومصيره فإنَّنا ندعو الأخوة في حركة "حماس" لرفض أيِّ دورٍ مهما كان بطلب دولي أو إقليمي، لأنَّ مصلحة فلسطين فقط هي في الوحدة الوطنية، وتحقيق المصالحة، ووحدة الأرض الفلسطينية، والشعب الفلسطيني، فلا دولة في قطاع غزّة، ولا دولة بدون قطاع غزّة، وبدون القدس العاصمة الأبدية للدولة الفلسطينية.
لنكن يدًا واحدةً نُدافع عن مصير شعبنا بوجه واشنطن وتل أبيب، ولنرفض كلَّ المشاريع المطروحة لأنَّها مدمِّرة لقضيّتنا، فشعبنا شعبٌ عظيمٌ، وهو شعب الجبّارين يرفض المذلّة، والهوَان، وهو صانع أعظم ثورة في العصر الحديث، ونحن سنظلُّ متمسّكين بثوابتنا.
سادسًا: إنَّ "م.ت.ف" وقيادتها، وفي المقدّمة السيّد الرئيس محمود عبّاس، يدفعون ثمنَ ثباتهم وصمودهم أمام الهجمة الأميركية، وقيادتنا لن تتراجع أمام التحديات. لكنَّنا نتوجَّه إلى كلِّ الأصوات التي اختارت أن تخدم أهدافًا لا تصبُّ في مصلحة فلسطين، واصطفَّت مع المحرِّضين والـمُشهِّرين بالرئيس أبو مازن، وقامت بكيل الاتهامات، لنقول لهُم إنَّ الرئيس أبو مازن هو على خُطى الرّمز ياسر عرفات، وليس بحاجةٍ إلى شهادة من أحد. وما يُربِكُ الولايات المتحدة اليوم هو موقف الشرعية الفلسطينية الذي تلتفُّ حوله الجماهير الفلسطينية.
وإنَّنا لمنتصرون